المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد ربوح  Headshot

صراع باديس وباريس اللغة والهوية والتعليم

تم النشر: تم التحديث:

الباديسيون والباريسيون.. لمن الغلبة؟!
تعاني المدرسة الجزائرية أزمة هوية وصراع محموم يصطلح على تسميته في الجزائر بصراع أبناء باديس وأبناء باريس.
لا شك أن سر نهضة أي دولة وتطورها ودخولها في حظيرة الكبار هو التعليم؛ إذ إن التعليم هو العمود الفقري لأي تحول في المجتمع؛ لأنه يعمل على بناء الإنسان، فبه يمكن جعله مبدعاً، وبه يمكن أن تجعل منه شخصاً غير منتج راكداً رافضاً لأي تغيير، ولا يتم ذلك إلى ببناء منظومة تربوية قوية، أهدافها واضحة، بعيدة عن الأيديولوجيات، مستمد من قيم المجتمعات، غير أن ما يحدث في الجزائر أمر مختلف يراد به خدمة تيار معين (أبناء باريس)، على حساب المصلحة الوطنية للشعب الجزائري، دون التفات لنضال النخب الوطنية إبان الحقبة "الاستدمارية" الفرنسية.

مطالب النخب في ظل "الاستدمار" الفرنسي
لقد مرت الجزائر بأعنف استدمار عبر التاريخ، استدمار استهدف الحرث والنسل، استدمار جاء للبقاء في الجزائر وذلك باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من فرنسا، ولأن النخب الفرنسية تدرك أتم الإدراك أنه لا سبيل لذلك إلا بتغيير عقيدة وهوية الشعب الجزائري، فتبنت فرنسا سياسة تعليمية في غاية الخطورة، فمع دخولها سنة 1830م بدأت في غلق المساجد والمدارس القرآنية؛ لتنتقل سنة 1844م لغلق الزوايا ومصادرة أملاك الأوقاف وتشجيع البدع والخرافات، وقد اهتمت بفئات قليلة من المجتمع، فتحت لها المدارس الفرنسية بهدف أن تكون نخبة موالية لها، تؤمن بالثقافة الفرنسية والغربية، بدأ ذلك سنة 1835 بفتح أول مدرسة لتعليم أبناء الحركي باللغة الفرنسية.

كما عملت الإدارة الفرنسية على محاربة اللغة العربية وفي سبيل تحقيق ذلك قامت بسن عدة قوانين، منها قانون 1892 الذي يمنع بناء المدارس إلا برخصة، بالإضافة لقانون 1904 الذي يمنع بناء المدارس القرآنية إلا برخصة، ومنع استعمال اللغة العربية في المجال الرسمي، وتدريج اللغة العربية (دارجة)، كان الهدف المنشود هو محاربة اللغة العربية وجعل الشعب الجزائري فرنسي اللسان، وتكوين نخبة مندمجة مع الثقافة الفرنسية توكل لها مهمة قيادة الشعب الجزائري.

كل ما سبق ذكره دفع النخب الواعية الجزائرية إلى التصدي لسياسة فرنسا التعليمية، فقد ناضلت كل تيارات الحركة الوطنية من أجل أن يكون التعليم باللغة العربية، وأن لا تتدخل فرنسا في الدين الإسلامي، فكان لجمعية العلماء المسلمين وكذا حزب الشعب الجزائري على سبيل المثال كان لهما الدور الكبير في ترسيخ هذه المطالب والنضال من أجلها، لإدراكهم أهمية التعليم وفق المقومات الأساسية للشعب الجزائري، كما لخص الإمام عبد الحميد بن باديس هوية الشعب الجزائري بأبياته الخالدة:
شعب الجزائر مسلم ** وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله ** أو قال مات فقد كذب
أو رام إدماجاً له ** رام المحال من الطلب
وكانت مطالب النخب واضحة:
- التعليم باللغة العربية.
- فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية.
يظهر نضال النخب الجزائرية إبان فترة الاستدمار الفرنسي وعيها بشروط النهضة وبناء الحضارة؛ إذ إن من شروطها معرفة ما ينقل وما لا ينقل والأهم القناة الناقلة، وهي اللغة، وهو ما تبنته كل الدولة في مسيرة البناء والتطور، فظهرت حركة الترجمة في العصر العباسي التي نقلت علوم مختلف الشعوب، وترجم الأوروبيون العلوم من الأندلس.
هذا نضال النخب الجزائرية إبان الاستدمار وهذه سنة التاريخ، لكن ما الذي يجري الآن في المنظومة التربوية الجزائرية؟
(وظلم ذوي القربى أشد مضاضة)
الجزائر المستقلة تعيش الآن من بين أسوأ مراحلها على كل المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية نتيجة الفساد الذي استشرى في كل المجالات، ووسط هذه الوضعية تطفو قضية الإصلاحات في المنظومة التربوية التي ومن خلال من أشرف عليها (إشراف خبراء فرنسيين) وكذلك تصريحات المسؤولين عليها وممارساتهم يبدو أنهم متجهون نحو فرنسة المدرسة الجزائرية (تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، زيادة الحجم الساعي للغة الفرنسية)، ولولا ردة الفعل القوة لحذفت مواد الهوية (التاريخ - التربية الإسلامية) من الامتحانات الرسمية، يحدث هذا في الوقت الذي تنحصر فيه اللغة الفرنسية كلغة عالمية.

الغريب في الأمر أن كل الذين يناضلون الآن من أجل إعادة المدرسة الجزائرية إلى مسارها الصحيح، مسار النهضة واللحاق بالركب العالمي، يتهمون في الجزائر بالرجعية والتخلف وأنهم ضد الحداثة، وكل من يهلل للإصلاحات الحالية يصبح مع الحداثة والتنوير وينقلب من المقربين.
الإصلاحات في أصلها يجب أن تمس المضمون دون المساس بأسس الشعب الجزائري، أما الإصلاحات التي يجري تطبيقها حالياً فهي إصلاحات تضرب هوية الشعب الجزائري وفصله عن امتداده الطبيعي العربي الإسلامي.

بمقارنة بسيطة سنجد الفرق جلياً ما بين أبناء نوفمبر/تشرين الثاني 1954م الذين قادوا الجزائر إلى التحرير، وبين من يحكمون الجزائر الذين يقدمونها على طبق من ذهب دون عناء لمن يفترض أنه كان عدواً وقتل أكثر من 7 ملايين شهيد، ولم يعتذر حتى عما فعله بشعب كامل.

رهان اليوم
لا شك أن النضال يجب أن يكون مستمراً في سبيل تقديم إصلاحات في المنظومة التربوية تكون مبنية على مقومات هذا الشعب ومنفتحة على الآخر، كما فعلت اليابان والصين والكثير من الدول التي حققت نقلة نوعية وانضمت إلى نادي الكبار، لكن ما ينبغي النضال من أجله هو الخطر القادم الذي تسببت فيه السلطة، وهو سقوط الجزائر في أحضان صندوق النقد الدولي بعد بحبوحة مالية استخدمت في شراء السلم الاجتماعي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.