المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد سعد النجار Headshot

سياسة العالم الرقمي وتغييب الوعي

تم النشر: تم التحديث:

ماكينات الأخبار لا تتوقف، والمحللون لا تجف أقلامهم عن الرصد والنقد وتوقع السيناريوهات، والمتابعون لا تفتر عزائمهم عن التعليق.. إنه "عالم السياسة" الصاخب الذي لا يهدأ أبداً، ويستقطب في أغلبه جمهوراً من المثقفين أصحاب الخبز الفاخر والحياة الرغيدة، أما القطاع العريض من المواطنين الكادحين فهم لا يعرفون من السياسة سوى النتائج الملموسة على الأرض..

يرونها في غلاء الأسعار، والبطالة، والعنوسة، والإدمان، والانفلات الأخلاقي، وثلة السادة المنتفعين في مقابل جمهور المطحونين.. ولذلك هم يكفرون بالسياسة صباح مساء، ويصمون الآذان عن أحاديث الزعماء حول الإنجازات، وانصرف جزء كبير منهم إلى متابعة الرياضة لإرواء ذاتهم الثقافية وتسلية لأوقاتهم وإنعاشاً لهواياتهم، أما النساء فبرامج الطبخ التليفزيونية فيها أنسهن ومستراحهن.. وأرقام نسب المشاهدة لا تكذب، والإحصاءات لا تخدع أحداً.

إن السياسة المعاصرة عالم تنكرت له الفطر الزكية والعقول السوية.. فليس خافياً على أحد أن المنطقة العربية ملتهبة لغياب العدل الذي هو دعامة أي أمة رشيدة، وأن أي حديث عن الإنجازات لا قيمة له قبل الحديث عن اجتثاث جذور الفساد.

كتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى الإصلاح فكتب إليه عمر: حصِّنها بالعدل ونقِّ طرقها من الجور، والسلام.

يقول الطرطوشي في كتابه "سراج الملوك": وقالت الحكماء: من حرم العدل فلا خير له، ولا للناس في سلطانه. وقال يحيى بن أكثم: ماشَيْت المأمون في بستان والشمس على يساري والمأمون في الظل، فلما رجعنا وقعت الشمس أيضاً عليَّ، فقال لي المأمون: تحول مكاني وأنا أتحول مكانك حتى تكون في الظل كما كنت، وأقيك الشمس كما وقيتني، فإن أول العدل أن يعدل الرجل على بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ العدل الطبقة السفلى. فعزم عليَّ فتحولت.
وأغلب ضجيج السياسة على المواقع الإلكترونية مصدره الأخبار السيارة من وكالات الأنباء، وهي في جوهرها لا تمت لما يتم في الأروقة والدهاليز السياسية إلا بقدر ضئيل من الصدق، فالمعلن شيء والمستور أشياء وأشياء تكتنفها مصالح وصفقات وتحالفات لو انكشف أمرها للشعوب لحدث ما لا تحمد عقباه.

لكن معلوم للقاصي والداني -مثلاً- أن وصول الإسلاميين للسلطة ممنوع، ولو حتى كان بانتخابات نزيهة، ولذلك حرص المجتمع الدولي والعربي على بقاء (بشار الأسد) كي لا تصل للسلطة في سوريا حكومة إسلامية من المجاهدين، تهدد أمن إسرائيل، فالأسد باقٍ ولو كلف الأمر إبادة أهل سوريا كلهم عن بكرة أبيهم، إلا أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً.

"علمنة السياسة" أيضا تيار يظهر بوضوح وجلاء، فترى ناشطة نسائية مناضلة -بتعبيرهم- وقد حسرت عن شعر رأسها وتبرجت في زيها، أو ناشطاً حلق نصف رأسه على الموضة، أو محللاً تشعث رأسه من طائفة المفكرين الكاجول كما يقولون.. أما لو خاض في النقد السياسي عالم دين مهيب القدر لأودع في السجن أو اختفى من خريطة الوجود.

وترى في عالم السياسة العربي ركاماً من الأخبار الاستفزازية من قبيل:
- ماذا قالت الفنانة الفلانية عن تظاهرات أمس؟!! والفنانة المعنية إما راقصة أو صاحبة رصيد لا بأس به من مشاهد الإغراء والإثارة.
- البرلمان يوافق بالإجماع على برنامج الحكومة!!.. وكأنه برنامج معصوم بوحي إلهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وهل يجرؤ البرلمان -يا سادة- على الرفض؟
- خطة طموحة للحكومة في الثلاثين سنة القادمة.. وما أروع الساسة العرب في الحديث عن المستقبل المشرق الذي لم يأتِ في يوم من الأيام.
- حرية الصحافة في خطر.. وكأن الدول العربية عندها صحافة ثم هي أيضا حرة! لم يُقصف فيها قلم ولا يصادر رأي، وكأن الخبر تناسى أن أعلى نسبة قتل وسجن للصحفيين هي في المنطقة العربية.

إن السياسة العربية لا يخفى على أحد أنها مصابة بالترهل والهشاشة، الأمر الذي جعل أحد الملوك العرب يسرب للإعلام صوره وهو يتنزه في منتجع شرم الشيخ المصري، في الوقت الذي كانت تدمر فيه حلب السورية على رؤوس أهلها الأبرياء، في رسالة مفادها أن الأنظمة العربية لا تبالي بشعوبها.

إن الإعلام الهادف معني بالدرجة الأولى بقيادة الوعي المستنير وتصحيح المفاهيم، وتنظيم حياة الناس الممتدة في الدنيا والآخرة.. إعلام مطعم بالفضيلة مجافٍ للرذيلة، يدعم علاقة الناس بربهم، ويحيي ذكر الحق والخير في قلوبهم، لا أن يلقيهم في أتون السياسة بوقوده المفعم بالأهواء والتصارعات والمناكفات، (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم:7].
أليست الحاجة ماسة لتنقية الضمائر، وإخلاص النوايا، وصدق العزيمة، وهذا لا يتأتى إلا بزاد من الإيمان؛ لكي تتجرد النفوس للحق وتذعن للعقل.

إن حديث السياسة من شرفة الإسلام تلذ له الأفئدة وتطرب لسماعه الآذان:
- فعن الحسن البصري أنه ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا والله ما كانت تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح عليه بها، ولكنه كان بارزاً من أراد أن يلقى نبي الله لقيه، وكان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، يلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف عبده ويعلف دابته بيده صلى الله عليه وسلم.

- لما بويع الصديق بالخلافة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، ألا وإن الصدق عندي الأمانة، والكذب الخيانة، ألا وإن القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوى حتى آخذ له الحق، ألا وإني قد وليت عليكم ولست بأخيركم. قال الحسن: هو والله خيرهم غير مدافع، ولكن المؤمن يهضم نفسه. ثم قال: لوددت أنه كفاني هذا الأمر أحدكم. قال الحسن: صدق والله.

- قسم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بين الصحابة -رضي الله عنهم- حللاً، فبعث إلى معاذ بحلة ثمينة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم، فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بعد ذلك بحلة دونها، فعاتبه معاذ. فقال عمر: لأنك بعت الأولى. فقال معاذ: وما عليك؟! ادفع لي نصيبي، وقد حلفت لأضربن بها رأسك، فقال عمر: رأسي بين يديك، وقد يرفق الشاب بالشيخ.

ومن سياسة حياة الناس:
- قول شيبان الراعي لسفيان: "يا سفيان، عد منع الله إياك عطاء منه لك، فإنه لم يمنعك بخلاً، إنما منعك لطفاً".
- وعن الإمام أحمد، يقول المروزي: لم أرَ الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي عبد الله، كان مائلاً إليهم مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حِلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر يقعد حيث انتهى به المجلس.

إن المشروع الإسلامي السياسي مشروع رباني نوراني، يستثمر العمر فيما يرضي الله تعالى وينشد الخير للبشرية جمعاء.. مشروع عندما نعيش في أجوائه نستشعر السكينة وننسى الضغينة، ونتوشح بالصدق ونجافي الحقد، وكفى النفس طمأنينة أنها تمضي في رحابة على ثقة برضا الله تعالى وحب المجتمع.. إنه مشروع أخلاقي بالدرجة الأولى، يستمد المدد والتوفيق والنصر من الله (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: 126].

أما ضياع الأعمار في مهاترات، ومطالعة تحليلات وسيناريوهات لا طائل من ورائها سوى وهم اسمه السياسة المعاصرة، فهذا من شأنه أن يفقد القيمة في حياة الناس، ويعودهم على التفاهة، ويستنفد أعمارهم التي سيسألون عنها أمام الله تعالى، فمتى نعقد العزم على تبني سياسة هادفة بدلاً من سوق ليس فيها إلا الضجيج وصداع الرأس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.