المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد سعد النجار Headshot

أزمة العلمنة في النظام الديمقراطي

تم النشر: تم التحديث:

المفترض في الديمقراطية الغربية أن تكون "علمانية" تقوم على فصل الدين عن الدولة، ولكنّ الحقيقة أن الأحزاب المؤسسة للسياسة الغربية الديمقراطية تزخر بالتيارات الدينية اليهودية والمسيحية.

ففي حين ينشط العلمانيون العرب في سلخ الأمّة العربيّة من عروبتها وأصالتها ودينها، نجد الديمقراطية الغربية قائمة على تلك الأحزاب الدينية؛ بل والمتطرفة.

وإذا ما أخذنا بريطانيا كدراسة حالة، عن طريق دراسة ساهجال ويوفال ديفيز، نجد الملكة هي الرئيس الرمزيّ للكنيسة الإنكليزية؛ بل إن هيئة الكنيسة العليا تسهم في مجلس اللوردات بشكل فعال، وهناك قوانين الكفر (التجديف) التي تمنع التعرض للكنيسة والمذهب الأنجليكاني المسيحي، بينما تبيح هذه القوانين هذا الأمر ضد الديانات الأخرى.

كما أن المسيحية أُعطيت، من خلال مرسوم إصلاح التعليم الصادر سنة 1988، مكانة قانونية وأيديولوجية تجعلها تجسّد الثقافة والهوية القوميتين. وبهذا، صار متّبع الديانات الأخرى مواطناً ناقص الأهلية.

ولذلك، استخدم الحزب المسيحي الديمقراطية الليبرالية لخدمة أهدافه، فجاء المنع في فرنسا وبريطانيا للطالبات المسلمات من لبس الحجاب أو غطاء الرأس، في الوقت الذي لا يُمنع اليهوديّ من لبس شودره وقلنسوته ورباط الرأس.

هذه هي العلمانية الغربية: صليبية جديدة بغطاء التحرر والتمدن.

ولذلك وفي أغلب دول أوروبا الغربية الأخرى -غير بريطانيا وفرنسا- فإن التيار السياسي السائد فيها هو التيار المسيحي الديمقراطيّ. وبعد الحرب العالمية الثانية، استطاعت الأحزاب المسيحية أن تفوز في الانتخابات بأغلب دول أوروبا الغربية، ولم تقلّ هذه الأحزاب عن ثلث أصوات الناخبين.

ومبدأ هذه الأحزاب المسيحية يقوم على الشخصانية والذي يقول: بأن الإنسان يحقق طموحه من خلال قيامه بمسؤولياته تجاه الأسرة والجماعة الوطنية، وهو ما يتعارض مع مبادئ الحرية الليبرالية المبنيّة على الحرية الشخصية.. وأما بقية مبادئ هذه الأحزاب الدينية، فهي مستمدة من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية.

فهذه الأحزاب الدينية تجعل الحرّيّة في ترابط الأسرة وتضامن المرأة مع الرجل، هذا في حين يسعى العلمانيّ العربيّ إلى تمرد المرأة العربية في وجه الأسرة والمجتمع.

هذا هو النموذج الغربي العلمانيّ الديمقراطيّ، يحمل طابعاً دينياً ورجعياً؛ مما يجعل أحلام السيد "فوكوياما" تتبدّد؛ لأن النموذج الذي تنبأ بأنه سوف يعمّ العالم ليس إلا نموذجاً تجريدياً مثالياً لم يُطبق لحظة على وجه الأرض.

لأن الأحزاب التي تشارك في الحكم الآن في أوروبا معادية للديمقراطية، أو متمسكة بها ولكن عبر صيغ ليبرالية محافظة أو متدينة مسيحية، تتبنى -ضمناً أو صراحةً- روح التمييز بين المواطنين على أساس الدين والمنشأ والمعتقد. هذه الأحزاب الدينية في أوروبا هي الحاكمة، والتي يتمثلها العلمانيّ العربيّ "المتحذلق المغفل" لاهثاً وراء السيد الغربيّ، ولو دخلوا جحر ضب لدخله.

ولذلك، الآن في أوروبا يثبّت اليمين الديني أقدامه على الساحة السياسية شرقها وغربها، وتتلاحم صفوفه من اليمين المحافظ الرجعي العنصري إلى يمين الوسط، في حين تتفتت قوى اليسار وتتوزع على ألوان الطيف السياسيّ.

ولذلك، لا نستغرب أن يصل بوش للحكم في أميركا؛ فمع فرط ذكائه وعبقريته ومع وجود زمرة شريرة تحيط به تحرّضه على تدمير العالم، فإنه صعد؛ لأنه مارس لعبة الكبار، بواسطة دعم اللوبيات الصهيونية التي تملك رأس المال، وشاشة التلفاز وزمام الإعلام.

يقول جوهان جالتونغ، الخبير الاستراتيجي الأميركي: "الولايات المتحدة متحالفة مع الله، والبلدان الأخرى متحالفة مع الولايات المتحدة.. ويتصف هذا التحالف بعلاقات خضوع المحيط للمركز. خضوع دول الغرب للولايات المتحدة، وخضوع الولايات المتحدة لله.. هذا هو سر اللاهوت الغامض للسياسة الدولية للولايات المتحدة".

وفي إسبانيا، يعلن الدستور بكل صراحة أن إسبانيا دولة كاثوليكية، وأن حق الانتخاب محصورٌ في الإسبان الكاثوليك.

وفي إيطاليا، لا صوت يعلو فوق صوت الكاثوليك؛ لأن الكاثوليكية قبل الديمقراطية، حيث يقول الدكتور عبد العزيز صقر: "في إيطاليا، فإن الكثلكة تأتي دائماً قبل الديمقراطية، ولا موضع للديمقراطية إذا تعلق الأمر بإقصاء الوصاية الكنسية عن الحياة السياسية، حتى لو أدى ذلك إلى مصادرة ملايين الأصوات التي يدلي بها الناخبون لصالح حزب يعارض القيم الكاثوليكية".

كما رفضت أوروبا انضمام تركيا إلى اتحادها بزعم أن أوروبا "قارة مسيحية" وينبغي أن تبقى كذلك.

هذا فضلاً عن عدة أسباب أخرى أدت إلى نجاح حملة الانتخابات البريطانية التي أيدت خروجها من الاتحاد الأوروبي؛ لكونهم يخافون أن يصبحوا جيراناً لدول مثل سوريا والعراق التي سيتدفق منها الإرهابيون والقتلة، إذا انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، والطريق الوحيد لمنع ذلك هو الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

ولم تتوقف مخاوفهم عند هذا الحد طبعاً، وإنما يساهمون في الترويج لحملتهم من خلال نشر مخاوف تتعلق باحتمال أن تركيا ستستولي على بريطانيا، وأنّ الأمهات التركيات ستُفلس بريطانيا من خلال الاستفادة من الخدمات الصحية، إلى الحديث عن أنّ العصابات والجرائم سيزداد عددها، ومنهم من تحدث عن أنّ تركيا أجنبية على معاني المدنية والديمقراطية، وبكل تأكيد يضيفون على ذلك وصف أردوغان بأنه "دكتاتور إسلامي".

إن المعرِّفين للديمقراطية المعاصرة في البلاد الغربية من أصحاب التوجّه الأيديولوجي -الذي يمثل الوجه الحقيقي للديمقراطية- يؤكدون أنها تنبثق من إطار ذهني مبني على افتراضات، منها الإحساس الدائم بالرغبة في التغيير.

هذا التغيير الذي ينبغي أن يكون عليه الديمقراطي، لا بد من أن يشمل عندهم "القيم والمبادئ". والسبب في هذه الوجهة المروِّعة لا يقل خطورة عنها؛ إذ صرّح أصحاب هذا التوجه بأن السبب هو أن البِنَى الاجتماعية لا تُبنَى على قواعد ثابتة أصلاً حتى تستقر عليها المبادئ والقيم.

ولذا، فإن الأفراد عندما يقررون أن شيئاً ما هو الحق والعدل فهو الحق والعدل، وهذا يعني أن الحق والعدل اللذان يشيعان في المجتمع الديمقراطي في وقت ما يمكن بكل سهولة أن يتغيرا لاحقاً؛ إذ لا يوجد ما يقبل الثبات.

بل الأمر خاضع للمتغيرات الاجتماعية المحيطة بالديمقراطي. وبناء عليه، فإن المجتمع ذا المنظور العقدي الأخلاقي -كالمجتمع المسلم زمن النبوة- يستحيل عندهم وبلا أدنى تردد أن يُصنَّف ضمن المجتمعات الديمقراطية.

وذلك عائد إلى أن الديمقراطية إنما تُبنَى على المنظور العلماني التعدُّدِيّ للمجتمع، كما أوضح ميشيل نوفاك في كتابه "روح الديمقراطية" ومِثلُه كرن شيلدز، الذي أكّد أن الديمقراطية نظام سياسي علماني، فالدين لا علاقة له بالديمقراطية.

ومن أخطر ما يترتب على هذا، ما نبه عليه داريوش شيجان من أن الديمقراطية تتطلب "عَلْمَنة العقول والمؤسسات"؛ أي أن تُبنَى على أساس علماني، وذلك يستلزم بكل تأكيد قيامَ المجتمع الديمقراطي بتكريس المفاهيم العلمانية لتتشرَّبَها العقول والأفكار، كما يستلزم صبغ المؤسسات الكبرى في الدولة بالصبغة العلمانية.

وهذا سبب تركيزهم على ما سمّوه "الروح الرياضية" بتقبّل الرأي الآخر وعدم منعه، مهما كان بالغاً في الضلال، على حد قول توماس جيفرسون: "لا يضيرني إن قال جاري: إن هناك عشرين إلهاً، أو لا إله".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.