المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد سعد النجار Headshot

أزمة رأس المال في النظام الديمقراطي

تم النشر: تم التحديث:

اتخذت الرأسمالية -كنمط حياة ليبرالي- من الحقوق الفردية مطية لترويج فلسفتها، وتبعاً لذلك فإن كل الموجودات المادية والمعنوية بكافة أشكالها وتحولاتها هي بالضرورة سلع قابلة للبيع والشراء في السوق.

فالكائنات الحية والجمادات والأديان والتواريخ والحضارات والحقوق والقيم والأخلاق والسلوك والعلاقات والمشاعر والثقافات والفن والجمال والعلوم والفلسفات والقوانين والدساتير وحقوق الإنسان والأمم والشعوب والأفراد والجماعات والأوطان والحروب والسلام والإرهاب والماء والهواء والمنتجات والمحرمات والمباحات.. هي مجرد سلع، أو أنها قابلة للتسليع والإخضاع لشروط السوق؛ حيث مبدأ "الكسب والخسارة".

كل هذه السلع تخضع لمبدأ فلسفي رأسمالي صارم من نوع "دعه يعمل دعه يمر"، وإنْ لم ينفع فإنَّ مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" بالمرصاد لكل مخالف، أو عقبة من أي نوع، وعلى أي مستوى.

ولا أحد يمكن أن يتجاهل الدور الذي يلعبه رأس المال في الديمقراطية الغربية.. فرجال السياسة الغربيون معروفون بعلاقاتهم المشبوهة مع الشركات الكبرى في مجالات الطاقة والمتاجرة بالأسلحة، ورغم أن القانون الأميركي -مثلاً- يحظر على الشركات دفع الأموال لمساندة الحملات الانتخابية، فإن الواقع يبرز لنا الدعم اللوجيستي الكبير الذي يحظى به مرشحو الأحزاب في الانتخابات الرئاسية.

لقد أصبح في ظل الحكم الديمقراطي كل شيء مباحاً وممكناً شراؤه من مناصب سياسية وقرارات من أجل دعم خزائن الشركات الرأسمالية التي تفتك بطعام الشعوب الفقيرة "ديكتاتورية رأس المال".. وهذا ما صرح به الصحفي الأميركي جريج بالاست في كتابه "أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها" الذي أبرز فيه بالوقائع والأرقام فساد النظام الديمقراطي الأميركي، ووحشية الأساليب السياسية التي انتهجها الاقتصاد العالمي بقيادة الدول الصناعية الكبرى التي تدعي دوماً أنها حاملة للواء حقوق الإنسان والضامنة للحريات.

وذكر بالاست من أوضح الأمثلة على ذلك أنه رغم حظر القانون الأميركي على الشركات دفع أموال لمساندة الحملات الانتخابية، إلا أن الواقع كان بخلاف هذا تماماً؛ حيث دعمت شركات الطاقة حملة الرئيس الأميركي السابق، مقابل ألا تتعقب حكومته أنشطتها المدمرة للبيئة؛ لأن هذه الشركات تستخدم -حسب تعبير صاحب الكتاب- "أقذر وقود"، مما أدى إلى نشر الأمراض، وقتل الأطفال في المناطق المحيطة بتلك الشركات، أو بمناطق دفن نفاياتها الكيميائية الخطيرة، وذلك نموذج واحد من بين نماذج كثيرة تدل على حقيقة انتهاك الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية في المعقل الأكبر للديمقراطية!

ونستطيع أن نقرر بكل صراحة أن الديمقراطية في أحضان النظام الرأسمالي تسخّر الأكثرية الفقيرة للأقلية الغنيّة.. ولذلك لا عجب إذا وجد 30% في أميركا تحت خط الفقر!

يقول الفيلسوف راسل عن الديمقراطية: "كانت تعني حكم الأغلبية مع نصيب قليل غير محدود المعالم من الحرية الشخصية، ثم أصبحت تعني أهداف الحزب السياسي الذي يمثل مصالح الفقراء، على أساس أن الفقراء في كل مكان هم الأغلبية، وفي المرحلة التالية أصبحت تمثل أهداف زعماء هذا الحزب، وها هي الآن في أوروبا الشرقية وجزء كبير من آسيا يصبح معناها الحكم المستبد لمن كانوا يوماً ما نصراء للفقراء، والذين أصبحوا يقصرون نصرتهم هذه للفقراء على إيقاع الخراب بالأغنياء، إلا إن كان هؤلاء الأغنياء من الديمقراطيين بالمعنى الجديد".

كما أن الديمقراطيات الغربية الحديثة تواجه خطر نفوذ رأس المال -خاصة المتعدد الجنسية- الذي صار يهدد القوانين السابقة التي تضمن الحقوق والحريات الفردية، وهو ما حذر منه المفكر الفرنسي المعاصر ألان تورين.

ولذلك يقول لينين: "كان هيغل يعارض الانتخابات المباشرة، ويرى أنها لا تفي بالغرض.. ففي الدول الرأسمالية تتبرجز البروليتاريا أي يتم شراء أصواتها بالمال".

انطلاقاً من هذا الواقع، يمكننا أن نقول إن الأحزاب السياسية في الدول الغربية هي مجرد واجهة، ودورها هو دور شكلي يقتصر عادة على إعطاء رأي لا أكثر.
الأحزاب السياسية التي تصل إلى السلطة هي الأحزاب المدعومة عادة بوسائل الإعلام الرأسمالية.
أحياناً نسمع أو نقرأ هنا وهناك أنه ُيوجد في الدول الديمقراطية أحزاب معارضة. هذا صحيح ولكن دورها يبقى شكليا بمعنى أن دور هذه الأحزاب المعارضة يقتصر في حدود الانتقاد والاحتجاج والكلام الفارغ.

يوجد هناك أحزاب يسارية، شيوعية أو ماركسية، ولكن كل هذه الأحزاب هي أحزاب صغيرة جداً لا تملك القدرة الإعلامية الكافية للمواجهة، أو المنافسة أو المحاربة بسلاح مُعادل للأحزاب السياسية اليمينية والأحزاب الاشتراكية المدعومة من قبل وسائل الإعلام الرأسمالية.

هذه الأحزاب المعارضة المناهضة فعلياً للنظام الرأسمالي المهيمن على المجتمع الأوروبي والأميركي تظهر مرة واحدة على الساحة السياسية كل أربع أو خمس سنوات، ومن ثم تختفي لتظهر مرة أخرى بعد أربع أو خمس سنوات.

نزيد على ذلك أن هذه الأحزاب ليست مُمَثلة في أي من الُمؤسسات السياسية أو التشريعية الموجودة في الدول الديمقراطية الغربية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.