المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد سعد النجار Headshot

وقفات مع الديمقراطية

تم النشر: تم التحديث:

يحلو للبعض أن يصف الديمقراطية بأنها "منتج غربي صرف" لا يصلح لمجتمعاتنا العربية، والبعض الآخر يراها تتآلف مع مبادئ الإسلام فكتب عن "الديمقراطية في الإسلام" وساق من النصوص والأدلة ما يؤيد فكرته، مثله كمثل من كتب سلفاً عن "الاشتراكية في الإسلام"!

لقد دأب المفكرون والفلاسفة، منذ قرون، في البحث عن صيغة أفضل ونموذج أمثل للحكم٬ تلك الصيغة التي تحل المعادلة ذات الطرفين: الحاكم من جهة والمحكوم من جهة أخرى. وتبقى "الديمقراطية" أحد النماذج العريقة لهذا الجهد الحثيث، لكنها ليست الجنة المزعومة ولا النار المحضة، فكما فيها خير فيها شر أيضاً، وإن كانت اليوم هي "إله الغرب" تبقى لنا كمسلمين نمطاً يخضع لثوابتنا الشرعية فنأخذ ما توافق معها ونطرح ما شذ عنها؛ لأننا ببساطة لنا شريعة مفصَّلة الجوانب ومضيئة الأركان، ولا حاجة لنا إلى افتعال أزمات لنتصادم معها كما كانت مشكلة الغرب مع الكنيسة، لكننا في الوقت نفسه لا مانع لدينا من الاستفادة من "آلية التطبيق" في مجتمعات غيرنا، فمشكلتنا مع آلية التطبيق لا بنود التطبيق.

يقول د. جعفر شيخ إدريس: "هل يلزم عن هذا عدم الاستفادة من أي شيء في التجربة الديمقراطية الواقعية؟ كلا؛ بل قد نستفيد من بعض جزئياتها العملية، كما نستفيد من جزئيات غيرها من النظم، ما دامت جزئيات يمكن وضعها في الإطار الإسلامي. والاستفادة من جزئيات الديمقراطية لا تجعل الدستور ديمقراطياً، ومن باب أولى ألا تجعل البلد ديمقراطياً. كيف والبلاد التي تأخذ بالأيديولوجية الديمقراطية بمعنى حكم الشعب لا ترى من الضروري أن تصف دستورها ولا بلدها بالديمقراطي؟ فلماذا يصرّ بعضنا على وصف بلادنا بهذا الوصف؟! أقول بهذه المناسبة إن بعض القراء قد يعجبون كما عجبت حين علمت أن كلمة الديمقراطية لم يرد لها ذكر في الدستور الأميركي، ولا في وثيقة إعلان الاستقلال الأميركية!".

صحيح أن الديمقراطية أهون الشرّين إذا ما قارنّاها بالديكتاتورية، لكن يبقى "الحكم النخبوي" هو الأفضل، وهو تمثيل بعد تمثيل، وهو ما بُني على الاختيار حسب الكفاءة وبعد المشاورة؛ أي إن كل مجلس يختاره أهل اختصاصه كما القضاء والإفتاء، وهو بدوره سيعيّن من هو أكفأ ليقود البلاد والعباد.

قالوا عن الديمقراطية

- يقول مونتسيكيو في كتابه (روح الشرائع): "حين تُمسك الأمة في النظام الجمهوري بمقاليد الأمور في يدها، يكون هذا النوع من الحكم ديمقراطية.. إن هذا واحد من المبادئ الأساسية لهذا الحكم، وهو أن الشعب نفسه يعيّن من يتولون زمام أموره بأيديهم".

- يقول هارولد لاسكي في كتابه (الحرية في الدولة الحديثة) عن الديمقراطية إنها "عبارة عن إطار لحكومة يتوافر فيها أولاً: إعطاء الناس الفرصة لصنع الحكومة التي يعيشون في ظلها. وثانياً: إن القوانين التي تصدرها هذه الحكومة سوف تربط الجميع بدرجات متساوية".

- الديمقراطية الحديثة نظام مؤسسات توزع السلطة على عدة هيئات تستمد شرعيتها من السيادة العامة للشعب.

- السلطة في الديمقراطية، في الواقع، هي للانتخابات وليس للسلطة بمفهومها الاحتكاري.

- تقوم الديمقراطية على مبدأ أساسي -صاغه كل من هوبز ولوك- هو "المواطنة"؛ وهو الفرد الذي يتمتع بحريته في الاختيار دون ضغط. كما تقوم المواطنة على سيادة القانون الذي يضمن أمن واستقرار المجتمع، كما يضمن حق تداول السلطة سلمياً ودون عنف، ويضمن احترام وتطبيق الدستور.

- إن الديمقراطية هي مجموعة من المبادئ والممارسات وليست مجرد أسلوب نظام حكم؛ بل هي أساساً ثقافة عامة تسيّر السلوك العام للفرد والمجتمع وتتحكم فيها دون انتقائية أو تمييز على أساس طبقي أو عنصري أو حضاري، ويقود ذلك إلى تأكيد أن الثقافة الديمقراطية تمنع الازدواجية التي تسمح للديمقراطي بأن يكون ديمقراطياً في بلده، ولكنه عكس ذلك في البلدان الأخرى.

تاريخ الديمقراطية

يقول نبيل ياسين: "خرجت الديمقراطية من أزمات القرن السابع عشر سواء الأزمات الاقتصادية والمجاعات والثورات الفلاحية، أو الأزمات السياسية من استبداد وحروب، أو الأزمات الدينية والفكرية المتلاحقة. وتوجه الانتباه إلى التساؤل عن السيادة وواجبات الملك والقوانين والمنافع والمبادئ، وانتقال التجارة من السيطرة الكاثوليكية في إسبانيا وإيطاليا إلى إنكلترا وهولندا وألمانيا، حيث ازدهر الفكر السياسي مع ازدهار التجارة وتطور الرأسمالية.

وصدرت أهم المؤلفات لهوبز وإسبينوزا ولوك وهيوم، خاصة المؤلفات التي ركزت على البحث في الحقوق؛ ومنها الحق المطلق، والحقوق والحريات العامة ودور الدولة، والمواطنة، وحدود الكنيسة ومفهوم الإيمان.

لقد تطور البحث في الحقوق الطبيعية إلى الحد الذي شكلت فيه -في منتصف القرن العشرين- جوهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

هذه النقطة الجوهرية هي أصل العلمانية، فالتصور الطبيعي للحقوق منفصل عن الدين. وتطور الأمر إلى انتشار منابر وتيارات القانون الطبيعي التي تناقش تطور الحقوق خارج الإطار الديني الذي كان يركز على حماية الإقطاعيين وكبار الملاك ضد الفلاحين وقطاعات الشعب الأخرى التي بدأت تدخل في قطاعات الرأسمالية التجارية، وتطالب بحقوق الأفراد، وتوسيع المنفعة لتكون منفعة عامة وليست حكراً على النبلاء والإقطاعيين والملوك.

بذلك، أُعطي العقل دوراً مهماً في الواجبات وليس في البحث عن الحقوق فحسب. وقال جروسيوس المنظّر الأول للحقوق الطبيعية: (إن الناس يقررون بالإجماع الخضوع لسلطة مشتركة، وهم ميّالون بطبيعتهم نحو المجتمع المنظَّم والهادئ، والقانون هو حصيلة الغريزة الاجتماعية)".

إذاً، الديمقراطية وليدة أزمات غربية ومخاض غربي لا علاقة له بتعاليم الإسلام؛ دين السلام والعدل والحكمة، كما أن الحضارة الإسلامية العلمية قامت على المنهج التجريبي عكس عصر النهضة العلمية الأوروبية التي شهدت الجدل والصراع بين التعاليم الكنسية والعلوم التي بدأت اكتشافات جديدة في الفيزياء والفلك والبيولوجيا والأنثربولوجيا، وقامت على التجربة والمختبر والتشريح والتحليل الكيميائي للعناصر، ومن ثم وجدت الاكتشافات الجديدة نفسها في تناقض مع ثوابت الكنيسة في عدة مجالات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.