المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد محمد السيد Headshot

مأساة حقوق القطط في مصر

تم النشر: تم التحديث:

تتقافز إلى قلمي أشتاتُ جُمَلٍ وأنا أطالع أحد الردود الرسمية على تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش: ليس عندنا تعذيب ولا اختفاء قسري، ونتحدى مَن يثبت هذا ولو حالة واحدة! وحقّاً قيل: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت.

وليس عجبي "وانفراسي" من كثرة ما سمعتُ وقرأت من حكايات التعذيب والاختفاء القسري لأعداد غفيرة من الأصدقاء والمعارف والأقارب والجيران ومن دوائر هؤلاء كذلك، بل من معايشتي التجربة بنفسي.. يعني "شُفت بعيني ما حدش قال لي" يا ولاد الـ...!

اختُطفتُ من الشارع دون إذن من النيابة، واقتادتني عصابة إلى أحد مقرات الأمن الوطني، وبقيت عندهم أكثر من شهر دون أن يعلم أحد عني شيئاً، معصوب العينين مغلول اليدين، أُعْرَضُ على ألوان عذابهم غُدُواً وعشياً، عذاب أليم وعذاب مهين.. من التعرية المطلقة إلى الكهرباء في كل أماكن الجسد خاصة الحساسة منها، والشوَّاية والتعليق قاهر الرجال "كما يسمونه"، إلى الضرب بالأيدي والأرجل والعصيّ، والسب بأقذع الشتائم، والتهديد بالحريم، والتلويح بالتصفية.. إلى ما لا آخر له من صنوف التعذيب مما لا تكفي القراءة عنه أو حتى رؤيته رأي العين لإدراك بشاعته، بل لا بد من تجربته؛ كل ذلك لأعترف أن "العلبة فيها فيل"!

ثم تضاعف ألمي عند عرضي على النيابة، وقد كنت أرجو أن أرى فيها شخصاً واحداً يحترم نفسه ومنصبه.. وكان أول ما قلته لوكيل النيابة:
- النيابة تنحاز للمواطن أم لجهة الضبط؟
- النيابة تنحاز للحق فقط.
- طيب! ما تاريخ احتجازي؟
- أمس.
- فقط؟! والشهر الماضي كله أين كنتُ فيه؟
- هذا هو المثبت في المحضر، واللبيب بالإشارة يفهم.. هل تعرضت لتعذيب؟
- أمن الدولة فيها تعذيب؟!
- يعني، سمعت من بعض المتهمين..
ولا داعي لسرد بقية الحوار معه، فـ"الجواب يبان من عنوانه".

وأما قمة الألم النفسي فقد كانت في المحكمة عند المثول أمام "السادة القضاة المخضرمين"، وأصارحكم أنني -بالرغم من مهازل القضاء الآن- كان عندي بصيص أمل أن يخيب ظني فيهم وألا يكون الحصن الأخير للرعية في الدولة -أية دولة- قد تهدَّم تماماً.. ولكن -يا للأسف- لم يخب ظني، ووجدتني مع غيري لسنا في أنظارهم إلا أرقاماً يجدّدون حبسهم بجَرَّة قلم دون اعتبار لأي شيء بل دون أن يسمعوا منهم أو يُعِيروا محاميهم اهتماماً!

تذكرت في هذا الموقف أحد الأساتذة المتصدّين للإفتاء على الفضائيات وقد سألَتْه سائلة عن قِطٍّ لها مكتئب، عرضتْه على طبيب فقال إنه في حاجة إلى "الزواج" فهل لها أن تخصيه؟! فنهرها الأستاذ عن إيوائه في البيت أصلاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" ، ونصحها أن تطلق سراحه ليأكل من الشارع كما شاء "ويتزوج" ما يشاء.

فأَسَيْتُ على نفسي.. أين هؤلاء المُفْتون، بل أين القضاة المبجَّلون، مما يعانيه المظلومون تحت الحبس الاحتياطي الذي تحول إلى عقوبة لذاته، من حرمان من شتى حاجاتهم، وكذلك حرمان زوجاتهم وأولادهم وأهليهم، أضف إلى هذا أنه قد تمرّ شهور على كثير منهم دون أن يروا أهليهم أو يعلموا عنهم شيئاً!
وإذا كانت رحمة الإسلام قد حرمت حبس الحيوان، فإلى أي مدى انسلخ منها هؤلاء بحبس الإنسان؟!

"مش مهم" المهم أن مصر "بقت أد الدنيا" وأنها تشهد الآن تحسُّناً كبيراً في الحريات كما يزعم النظام، "وأكيد مش هنعرف أكتر من الحكومة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.