المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد محمد النوباني Headshot

تشكيل الرأي العام الأردني وشاهد السفارة

تم النشر: تم التحديث:

على طريقة المعارضة المصرية أقول: "اللأطات اللي واخدينها كلها طبيعية... والأبطال أنا وانت...أنا وانت وهي". وعلى طريقة الأستاذ الكاتب الأردني أحمد حسن الزعبي: "صحصحوا.. صحصحوا يا جماعة.. صحصح يا أبو فوزي.. ترى هذا عشانكوا مش عشاني...هو أنا عايشلكوا العمرين.. ترى أني أي اشي بيكفيني".

وأضيف: "صحصح يا مومني.. صحصح يا زعبي.. ترى عندكو شاهد.. ليش ما تسرّعتوا واخذتوا شهادته بدل ما تستنوا حارس السفارة يمنّ عليكو بكلمة".

وعرفت الحقيقة من شاهد العيان. وعرفنا إفادته ليس من الجهات الرسمية في الحال؛ "لأنها ما بدّها تتسرع" أو فلنقلها صراحة: "إنها تنتظر القاتل أن (يدبر) حاله بشهادة مناسبة". وسيطر منطق "مفك البراغي" وأزاح منطق العقل في أخذ شهادة من حضر الجريمة وبلَّغ عنها. وكأن الأردن ليس دولة ذات مؤسسات قضائية!

لقد تصرف القاتل وكأنه بين أهله وعزوته وقتلَ -وبدم بارد- ألوان العَلم الفلسطيني على صدر الضحية محمد. وخرج علينا مسؤول يردِّد بببَّغائية واضحة وعلى طريقة "الحق على محمد" التي انتشرت على الفيسبوك (فيديو فكاهي يقوم به صبي صغير بسرد طفولي لقصة)، وسابقاً تمت دبلجتها على إفادة نائبة الملوخية الناشفة (كانت تبحث في جلسة برلمانية مهمة عمن يسعفها بهذه الطبخة). لقد تذكرت ذلك الصغير وأنا أرى في البرلمان المسؤول الكبير يسرد ما حصل في السفارة.

يا "يهوه"، يا إله الجنود، ألم ترتوِ من الدماء؟

لقد تصرف الحارس الإسرائيلي كما يعرف وكما رُبِّي عليه، ولكننا لم نتصرف نحن كأردنيين كما نعرف وكما رُبِّينا عليه. مقالة في موقع إخباري أردني محلي وُضعت للتسحيج بعيد المدى، كتبها وكما هو واضح في الصورة بجانب المقال "علامة تعجب"، وكأننا في إحدى الدول المجاورة حيث "العجب".

هذه المقالة أثبتت -وبما لا يدع مجالاً للشك- أن الأردنيين مثل غيرهم من الدول العربية، ببساطةٍ، لقد خرجوا عن طورهم. لقد بلغ بنائب (برمائي) أن ينكر أمام شاشة عالمية، بلغ به أن يدافع عن صلف وغرور نتنياهو وأن ينكر ما جاء في مكالمته مع القاتل. إلى أي مدى بلغت بنا الوقاحة، أن نجرم المقتول وأن نبحث عن عذر للقاتل والحقائق ماثلة أمامنا!

بدل أن تخرج الحكومة الأردنية بروايتها لما حدث وأن تستضيف (شاهدها) على الشاشة المحلية (طلع الحق ع محمد الضحية).

فعلاً، "لازم يعترف الحمار بأنه غزال" في أثناء التحقيق معه حتى نتفوق، كما ورد في إحدى النكات الأردنية. بالنسبة لحادثة السفارة، فلن يحدث شيء أكثر مما عرضته إسرائيل في البداية.

أما ثورة الرأي العام الغائب والمغيَّب، فاستُعملت لأغراض أخرى، وكما قال المثل: "لو بدها تشتي كان غيّمت". ومن المهم في هذه المرحلة التصرف كمثقفين وأصحاب رؤى وأن نبين تاريخ وأبعاد (قضامة، فيصلية، حامض حلو كما ورد في إحدى مقالات المرحلة على موقع إلكتروني محلي أردني) بدل أن نمسك متلبِّسين بالحديث عن شاهد السفارة.

وأضيف: لو أنه توجد جريمة لأُخذت شهادة الشاهد الذي حضر الواقعة. إنها فرصة للتهريج على الجسر وابتزاز إسرائيل ببعض المطالب، وإقول "ابتزاز"؛ لأن القضية انحرفت عن مسارها بالفعل.

إن ما يحصل حالياً هو على طريقة المهرج (باسم يوسف): "اعملوا دوشااااااا". وكان يلخص في كلمتين مهمته كاملةً. كنت أظن أن المعارضة المصرية تفعل شيئاً بسخريتها المستمرة. لكن اكتشفت، بعد نظرة عميقة، أن ما يحدث -وببساطة- هو "كتابة بالمقلوب".

ويبدو أن دولة عربية أخرى تعاني ظروفاً اقتصادية مشابهة قررت الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة، المأمونة التبعات، في تشكيل الرأي العام بعد فشل استنساخ التجربة أو النموذج المغربي غير مأمون العواقب. ومحاولات حالية لمسخرة الوضع القائم والقضايا الكبرى والمصيرية. كوميديا في الطبقات العليا ثم طبع المشهد بحس ساخر وبث روح السخرية في الشعب، وأخيراً البطش المسلح المسعر.

تتشابه الحالة الأردنية مع الحالة المصرية في أن التنظيم الذي يحفظ قوام المعارضة هو تنظيم "الإخوان المسلمين". في كلتا الحالتين (البالغتين مستويات مختلفة من النضج)، النقطة الأساسية واضحة للرأي العام، وهي نقطة عمياء ومحورية بالنسبة للمشهد كاملاً. المشهد في هذا التقعيد تجاوز مستوى الكوميديا السوداء، إلى الكوميديا العبثية، وهي عندما تبلغ الكوميديا السوداء مرحلة لا تعود فيها مضحكة على الإطلاق والرعب سيتسلل إلى جميع القلوب.

لقد انتقلنا إلى مرحلة رسم الرأي العام بالريشة والألوان، حيث تتدخل الدراما في المشهد. يبدو أن المعنيّين قد تسرب إليهم الملل بعد مدونة السلوك التي ابتدعوها، فقرروا إدخال مناهج (دراما الرأي العام). وما يميز الرأي العام في جميع الدول العربية هو انفراد وتميز تجربتهم كدولة، كل على انفراد، و"إحنا غير" والزعيم الأوحد هو صمام الأمان.

ملاحظة أخيرة عن منهج هذه الدراسة؛ فهي لم تعتمد مبدأ الحبكة في المؤامرة المعتمَد من قِبل الأستاذة الصحفية آيات عرابي. ولا أدافع عن تنظيم بعينه أو أتبنى آراءه. وطبقاً لبعض ما يُرشَّح من وسائط الإعلام في الأردن أن خلف حصار قطر جهة من داخل الإخوان المسلمين، فقطر لم تعد فقط مصدراً للأموال؛ بل مركزاً للقيادة باستضافاتها الواسعة للقيادات الإخوانية، ويبدو أن إخوان الأردن، بالتعاون مع آخرين، قرروا أن التنظيم الدولي لا بد من أن يكون لهم فقط. لا يمكن رؤية هذه الحقيقة إلا من قِبل من يعرف جيداً ما هي.. "براغماتية" إخوان الأردن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.