المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 خالد خوجة Headshot

التدخل الروسي في سوريا والواقع الجديد

تم النشر: تم التحديث:

خلق العدوان الروسي على الشعب السوري والتدخل المباشر في الصراع الدائر في سورية بين قوى الحرية وقوى الاستبداد، واقع جديد فيما يبدو أنه سيولد عواقب في غاية الخطورة ليس على سورية فحسب بل على المنطقة والعالم .

إذ لا يحمل هذا العدوان العسكري سوى المزيد من الدماء والدمار لسورية وشعبها، ويدفع المنطقة بصورة خطرة ومتسارعة نحو عدم الاستقرار والفوضى العنيفة.

إن الهدف الواضح للدخل العسكري الروسي المندفع هومساندة نظام احترف طوال عقود، لعبة بث الفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار في أوساط جيرانه المباشرين وحيثما تصل يده، وخاصة عبر خلق تنظمات إرهابية وتسليطها على كل من يختلف مع النظام في الموقف أو التوجه.

لقد وصل الأمر في امتهان النظام لهذا السلوك "البلطجي" إلى حد إعلان وزير خارجية النظام بأن كرة النار ستمتد إلى كل العالم، وإصدار مفتي النظام لفتاوى تهدد دول العالم بأن مجرمين قتلة انتحاريين سيسيلون الدماء في عواصم أوربا إذا تمت معاقبة الأسد بسبب جريمة استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين .

التدخل الروسي في سورية بعد عجز الإيرانيين إيقاف انهيار النظام هو بمثابة احتلال إذ لا يقوم الروس بقيادة جيش النظام إلى مزيد من قتل السوريين فقط بل إلى تسيير كل المؤسسات المفصلية للنظام، العسكرية منها والأمنية والسياسية وحتى المالية بواسطة عناصر روس مفروضين على الدولة بصفة خبراء ..

وبعيداً عن الدعاية الروسية التي تقول أن هدف التدخل العسكري الروسي في سورية يهدف لمكافحة الإرهاب، والقضاء على تنظيم داعش، تثبت الوقائع أن الطائرات الحربية الروسية تصب حممها على السوريين وعلى القوى التي تقاوم النظام المستبد في سورية، لكنها لا تحارب داعش لا بل تحارب الجهات التي حاربت داعش منذ وجدت، وألحقت بها أهم الخسائر.

وبدقة أكثر، تشير كل الإحصاءات الجدية والمحايدة أن مابين ٩٣ إلى ٩٥ ٪ من الغارات الروسية تستهدف مواقع مدنية سورية أو فصائل الجيش السوري الحر والفصائل المقاتلة للنظام الإستبدادي السوري، وأن ما بين ٥ إلى ٧٪ فقط من هذه الغارات تستهدف مناطق تسيطر عليها داعش.

واستهداف مناطق سيطرة داعش لا يعني استهداف التنظيم، بل استهداف مرافق موجودة في مناطق سيطرة التنظيم فقط. ولم يستطع أحد حتى الآن أن يثبت قيام الطائرات الحربية الروسية باستهداف وإصابة موقع واحد ذو قيمة لتنظيم داعش.

وبلغت الأمور حد الفضحية في محافظة حلب، حيث تقصف الطائرات الحربية الروسية مواقع القوات المعارضة المواجهة لداعش ، فتسقط كل الصواريخ والحمم على من يواجهون داعش، ولا تسقط ولا تستهدف مواقع داعش التي نسقت قبل أيام مع النظام لتحتل المنطقة الحرة في حلب ومدرسة المشاة من الجيش الحر ثم لتسلمها لجيش النظام ا..

يعزز الروس في سلوكهم ما دأب النظام على فعله، بترك المواقع الاستراتيجية تحت سيطرة تنظيم داعش كتلك الغنية بالنفط في شرقي البلاد، بعد انسحابه من مطار الطبقة ومن ثم من مدينة تدمر انسحاباً منظماً تاركاً المدنية للتنظيم وتاركاً له مخازن أسلحة استراتيجية هامة جداً، فيما نقل المعتقليين السياسيين الموجودين في سجن المدينة المعتبر أحد أسوأ المعتقلات في العالم، قبل أسبوع من الانسحاب من المدينة.

ويفاقم ما تقوم بها الطائرات الحربية الروسية ـ من ـ المأساة الإنسانية التي يعاني منها السوريون، والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها أكبر كارثة شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، فاستخدام أحدث وأثقل ما توصلت إليه صناعة الدمار الروسية ضد مواقع مدنية محاصرة ومستهدفة منذ أربع سنوات، دفع الألوف للنزوح من مدنهم وقراهم في اللاذقية وحماة وإدلب وحمص، وزاد من عدم قدرة المرافق الصحية عن القيام بدورها، وأغلقت مدارس ومعاهد تعليمية خشية القصف العشوائي الروسي، وقطعت طرق حيوية، وتوقفت برامج مساعدات غذائية عن العمل خشية القصف الأهوج الذي تقوم به طائرات سوخوي.

إن ما يساعد به بوتين الذي اتخذ موقف مناهض للربيع العربي منذ اليوم الأول هو منع تحول سورية إلى دولة حرة ومستقرة بقيادة تحالف بين قوى يجمعها العداء لقيم الحرية والممارسة الديمقراطية،وهذه القوى هي النظام الأسدي ونظام الملالي الإيراني، وميليشيا حزب الله الطائفية الإرهابية المتحكمة بلبنان ، هذا التحالف الذي يهدف لقمع الشعب السوري، وكسر إرادة الحياة والتحرر لديه، بأسلوبه الدموي وأدوات الفوضى الذي يستخدمها قد يخلق بؤرة صراع تجذب المتطرفين من المنطقة وخارجها، تماماً كما حصل في أفغانستان وقد يتعزز هذا السيناريو بسبب الموقع الجغرافي لسورية، وحدودها المفتوحة والقريبة من قارات العالم الثلاث أوربا وآسيا وأفريقيا.

إن الرد على هذا التوجه التدميري الفوضوي المزعزع للاستقرار والأمن ، لا يكون إلا بالعمل على عودة لاستقرار والتمسك بأدواته. ويجب على المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الخروج من دور المتفرج وتحمل المسؤولية تجاه هذه الشرارة التي أشعلها الديكتاتور بشار الأسد في سورية وما تزال تكبر وتمتد. إن أحد الأسباب الرئيسية لتمدد قوى الفوضى والعنف المعادية للحرية في سورية، هو الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة لهذه القوى، وإن المفتاح الرئيس لمواجهة تمدد هذه القوى يتمثل بقيام الولايات المتحدة بتحمل مسؤولياتها كدولة عظمى ومؤثرة في المنطقة، ودائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ، ورافعة لشعار الحرية في العالم. على الولايات المتحدة أن تدعم الشعب السوري الذي يواجه لوحده قوى محلية وإقليمية ودولية، عليها تسليح ودعم قوى الحرية والاستقرار في سورية، السياسية منها التي تضم ممثلين عن جميع مكونات المجتمع السوري وتياراته وتوجهاته، والعسكرية التي ترفع علم الاستقلال الذي يرمز للوطنية السورية بكل مكوناتها، كالجيش السوري احر الذي يتوجه للتحول نحو قوة استقرار وطنية .

المقاربات التي مازالت الولايات المتحدة تلجأ إليها لمواجهة هذا الخطر الكبير، ما تزال قاصرة وخاطئة. إذ أن دعم ميليشيات الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية قوات الحماية الكردية التي ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأنها ارتكبت جرائم حرب وجريمة التهجير القسري لمكونات سورية كالسريان الآشوريين والعرب والتركمان، وثبت بما لا يدع مجالاً للشك قمعها للأحرار من أبناء المكون الكردي بالتواطؤ مع النظام الأسدي، وأذرع نظام الملالي الإيراني، وبتكامل مريب للأدوار مع داعش ظهر في حصار شمال حلب الأخير . تدعم الولايات المتحدة هذا التنظيم بينما تتغاضى عن وجود المجلس الوطني الكردي المنضم تحت مظلة الإئتلاف الوطني السوري والذي يضم ١٢ حزباً كردياً ديمقراطياً و٢٠ منظمة مجتمع مدني محرومة من أي مساعدة للقيام بدورها في دعم صمود المجتمع الكردي الذي تتسلط عليه قوى الإستبداد والتحكم والعنف.

على الولايات المتحدة أن تتجه نحو مقاربات تتجاوز الحسابات اللحظية ، وتحقق الاستقرار لسورية والمنطقة، وهذا يتطلب المراهنة على القوى والمكونات التي تريد إسقاط النظام الديكتاتوري في سورية وإقامة دولة القانون والعدالة التي يتساوي فيها السوريون جميعاً في الحقوق والواجبات، ويتمتعون بحرياتهم وحقوقهم الفردية والجماعية دون أي تمييز أو اضطهاد .

للخروج من هذه الحلقة الجهنمية المفرغة التي تطحن عظام المزيد من السوريين بأقسي وأبشع أدوات القتل والتدمير، يجب أن تترك الولايات المتحدة ـ الامبالاة بالمنطقة ـ وتظهر الإرادة السياسية في وقف المذابح الكبرى و الدمار العظيم والفوضى المنفلتة الناتجة عن بقاء بشار الأسد على رأس الحكم وـتبذل جهداً مضاعفا في تفعيل عملية التسوية السياسية بممارسة ضغط جدي على النظام السوري الذي رفض وأفشل بدعم روسي كل الجهود للوصول إلى مخرج سياسي، وفي مقدمتها مفاوضات جنيف 2 . فالحل الممكن والواقعي الذي يمكنه تجنب أزمة أكبر ووضع أخطر، يتمثل بالعودة إلى مسار جنيف الي يعبر عن إرادة المجتمع الدولي، والحد الأدنى المقبول من كل السوريين، مترافقاً مع تمكين الشعب السوري من الدفاع عن نفسه وإفشال خطط النظام السوري والمحتلين الروسي والإيراني.

بظهور الاحتلال الروسي كمكمل للدور الإيراني في سوريا تحول نضال الشعب السوري من ثورة على على نظام طاغية إلى حرب تحرير ضد احتلال ولقد قدم الشعب السوري مثالاً نادراً للبطولة والشجاعة والثبات، لكنه بحاجة للتزود بالسلاح لمواجهة آلة حرب عملاقة كما أن شعب سوريا ما زال في أمس الحاجة لحظر طيران يحميه من براميل الموت والقنابل التي يلقيها طيران النظام من الجو على المناطق المسكونة دون ان تفرق بين مدني وعسكري ، ويوفر أرض صلبه في المناطق المحررة تسمح للاجئين بالعودة إلى أرضهم بدل التشرد والموت في البحار والبراري ، وتمهد لادارة مدنية واستقبال الإغاثة الإنسانية وتساعد على محاربة التطرف من خلال قوة استقرار وطنية .

ويحتاج شعبنا للصدق في تعريف الإرهاب، فإذا كان الإرهاب في تعريفه الأبسط : قتل المدنيين بدون وجه حق، فإن النظام السوري هو الإرهابي الأول إذ أن 95،3٪ من القتلى المدنيين السوريين، قضو على يده ، و هو يحوّل ـ سورية إلى أرض مستباحة تحلق الطائرات الحربية الروسية في سمائها وتقصف المدنيين بالقنابل العنقودية بحجة محاربة الإرهاب وهي مفارقة مضحكة مبكية لا مثيل لها في أي مكان على وجه الأرض.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.