المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد جمعة Headshot

عن معبر رفح، وحماس وفتح والسلطة، ومسافر وحيد

تم النشر: تم التحديث:

قبل عام 1994 كان المواطن في غزة يحمل وثيقة سفر مصرية، مؤقتة بالطبع، مكتوب عليها "يسمح له بالسفر إلى جميع البلدان"، هذا كان مكتوباً طباعةً، وتحتها بخط اليد "ما عدا..."، وهذه الما عدا تختلف حسب صفة الشخص وحسب علاقة السلطات المصرية بهذه الدولة أو تلك.

حين تم توقيع اتفاق أوسلو، وعادت منظمة التحرير إلى الجزء المسموح لها بالعودة إليه، بدأت بإصدار جوازات سفر مرتبكة، مكتوب عليها جواز سفر بالعربية، ووثيقة سفر بالإنجليزية، وأصبحنا نسافر بهذا الجواز/ الوثيقة، وبالطبع كانت مصر هي وجهة 99% من المسافرين من غزة، حتى لو أرادوا أن يذهبوا إلى أي بلد في العالم، فلم يكن ذلك ممكناً إلا عبر القاهرة، لأن الجهات الأخرى من غزة مقفلة، البحر غرباً، ودولة الاحتلال في الشمال والشرق، فلا يتبقى إلا الجنوب، وهو حدود مدينة رفح مع جمهورية مصر العربية.

بعد أحداث 2007 الدموية في غزة، ارتبك معبر رفح، وظل هذا الارتباك يتزايد حتى وصل إلى الإغلاق التام، حيث يتم فتح المعبر كل ثلاثة أو أربعة شهور لمدة يومين، فيمكن لأي متأمل أن يتخيل ما يمكن أن يحدث لمليون و800 ألف إنسان يفتح معبرهم الوحيد إلى العالم ليمر منه 300 شخص فقط، معظمهم حالات مرضية أو تنسيقات، وليذهب الباقون إلى الجحيم.

ليست مشكلتي كمواطن فلسطيني من يكون السبب في عدم التوصل لاتفاق لفتح المعبر الوحيد الذي يتنفس منه سكان قطاع غزة، فهذه السجالات التي تحدث بين حكومة في غزة وحكومة في رام الله هي من السخافة بحيث إنها تقول بوضوح إن المواطن الفلسطيني آخر همّ الحكومتين، وآخر همّ حركتي فتح وحماس معاً، ولا أريد الدخول في تفاصيل اتفاق 2005 حول المعبر، ولا يهمني من يمسك بإجراءات الأمن في المعبر سواء أمن الرئاسة أم أمن عز الدين القسام، فالمعبر مغلق لسبب فلسطيني أياً يكن صاحب هذا السبب، فلا فتح تريد التنازل لحماس، ولا حماس تريد التنازل لفتح، والاثنان لا يريدان التنازل للثكالى والمصابين والمدمرين معنوياً نتيجة الحصار، وكل منهما يلقي بالتهمة على الآخر، أما الناس، فقد بدأت تتململ من الجهتين.

هناك مسافر وحيد، أراه يعبئ كل ما لديه من حاجيات في حقيبة، لا يفتحها أبداً، اسمه مسجل في الكشوفات، وكلما أعلنوا عن فتح المعبر، أخذ حقيبته وذهب إلى البوابة ليعود دون أن يتمكن من العبور، لينتظر أربعة أشهر أخرى كي يوافيه الحظ، وما العمر إلا أربعات أشهر متتالية بالطبع، فعليه أن يحتمل ذلك وإلا وُضع في خانة اليائسين والقانطين من رحمة الله.

هذا المسافر الوحيد، المحاصر في جلده، لن أكتب ما يدور في رأسه، فقط أريد أن أفتح باباً للخيال فيما يمكن أن يقوله هذا المسافر لو أتيحت له الفرصة، فالمعطيات تقول إنه في غزة منذ ثلاثة أعوام، فقد عمله في بلاد أخرى، وفقد إقامته، وهو وحيد لأن زوجته وأولاده هناك، تتراكم عليهم الديون كي يتمكنوا من مواصلة الحياة بعيداً عنه بعد أن انقطع مصدر رزقهم الوحيد، اثنان من أولاده خرجا من الجامعات لأنهم لم يتمكنوا من دفع الأقساط، وابنته الوحيدة تؤجل عرسها منذ ثلاث سنوات على أمل أن يتمكن أبوها من تسليمها إلى عريسها ليلة زفافها.

هنا، وفي هذه اللحظة، وهو يسحب حقيبته عائداً ملفلفاً بالخيبة بعد أن مرّ آخر المسافرين قبل أن تغلق البوابة، لكم أن تتخيلوا الأفكار التي تدور في رأس هذا المسافر، على كل حال لن يعرف أحد تلك الأفكار، لأن دماغه انفجرت صباح اليوم، ومات، وسيقول الكثيرون إن هذا ليس بالضرورة مرتبطاً بفتح وإغلاق المعبر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.