المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد جمعة Headshot

يوم قال الناسُ إن اليأسَ سيّدُ المكان

تم النشر: تم التحديث:

وكان يوماً، كأنّ جنّيّاً عالقاً في ضبابِ البدايةِ، يشعلُ الحروبَ كلعبةِ أطفالٍ لم يعد ممكناً السيطرة عليها.

أشجارٌ خائفةٌ وبنايات كأنّها فكرةٌ في رأسِ راقصٍ قديم، بحارٌ تلوكُ موجَها كنبتةٍ مرّةٍ لا تصلحُ لشيء، هواءٌ أرعبَتهُ الرحلةُ الطويلةُ بين الصحراءِ والغابةِ، كلُّ شيءٍ بلا بدايةٍ أو احتمال نهايةٍ، وكانَ دوارُ الأمكنةِ مصلوباً في الهواء، لا أحدٌ يتكلّمُ، لا أحدٌ يسمعُ.

يومها، قالَ الناسُ إنّ اليأسَ سيّدُ المكانِ، وقالوا إنها الحربُ التي لا جيوشَ فيها، لكنّ قتلاها يتوزعّون على الشوارع والمفارقِ كريشِ وِسادةٍ في الريح، وقالوا سنموتُ قبلَ أن نحرّرَ ممتلكاتنا القليلة في وصايا، وكان تمريناً ليومِ قيامةٍ لم ترتّبه الملائكة، والنارُ نصيبُ الجميعِ، فالنارُ لا تحاسِبُ ولا تنتقي، ولا شيءَ يحمي من فضولِ الموتِ حين يبدأ في تذوّقِ الأرواحِ في كرومِ الحياة، قال الناسُ ما قالوا، ولم يغير ما قالوه شيئاً، وظلّت الأجسادُ مكانَها، ميتةً أو نائمة.

يومها، قال الناسُ أدعيةً من جمرٍ، رأوا سماءً بنفسجيةً دون أن يأتي الشتاءُ، أفزعَتْهُم البرودةُ، رفعوا أيديهم مشاعل، أخذوا شكلَ تمثالِ جنديٍّ مهزوم، صار البكاءُ أغاني فضّةٍ وهلوساتٍ تسقطُ عن أشجارِ الروحِ تماماً مثلَ نقطةِ ماءٍ غادرت أمها الغيمة، وأفرغت أرواحهم من ديناميتها شعلةً شعلةً، وانطفأوا في النهاية قبل أن تطفئهم الغاراتُ، أما الأطفالُ في أحضانِ آبائهم الباردة، فكانوا يغمضون أعينهم ليتوقعوا شكل البرقِ من صوتِه، لكن لم يبقَ في ذاكرتهم بعد يومين اثنين إلا صراخُ أمهاتهم وآبائهم وهم يبحثون في الهواء عن مكان الجدار الذي كان هنا قبل قليل، أحدهم، ذلك الذي وجدَ مسبحةَ جدّه مختلطةً ببقايا تبغه البرّي، قال إنه لم يبقَ من ذلك الزمن إلا دعاء جدّه الأخير معلّقاً في الهواء كبلبلٍ فقدَ صوتَه.

يومها، قالَ الناسُ كلاماً بأجسادهم، لم يفهم الحصانُ، المربوطُ في شجرة الجمّيز الوحيدة على طرف المخيم، لماذا لم يعد الأولادُ يفرحونَ لصهيله المرمري، ولم يفهم لماذا عليه أن يجري في مكانه، وأن يقطع ألف ميلٍ وهو يدورُ حولَ شجرةٍ عاجزةٍ عن الهروبِ من خوفِها، عبّأ المكان بألفِ صهلةٍ اختلفت كلُّ واحدةٍ عن أختِها كما تختلفُ الجميزةُ عن البرتقالة، وفي نهاية المأساةِ، لم يَمُتْ حصانُ القصيدةِ كما تمنّى، بل فقدَ صوتَهُ وقدرته على الجري في سهولِ الذاكرة، يومها قال الناسُ كلاماً مختلفاً، وأوغلوا في التفاسيرِ حتى أنهم نسوا لمن يعودُ الحصانُ ولمن يعود الحقلُ، وظلّ المحراثُ معلّقاً إلى أن تزوّجَهُ الصدأُ.

وقالَ الناسُ بعد ذلك بعقودٍ، إنهم لو كانوا يعرفون الفرقَ بينَ الرحيلِ والمكوثِ، لما قالوا شيئاً، وقالوا أيضاً إنهم كانوا سيوفرون أدعيتهم القليلة والساذجة لأيامٍ أشد قسوةً، وقالوا، وقالوا، إلى أن جفّ القولُ على السطوحِ التي من طين، في الحناجر التي من دخانٍ وبكاءٍ مخنوق، تبعثروا من جديدٍ على أسوارِ المدن، غيّروا أسماءهم ولغتهم، غيّروا أشكال وجوههم في المرايا، ولم يغيروها حينَ ينامون فرادى مصابين بالكآبةِ.
سيغرقُ الجنّيُّ في وهمِهِ كعابدِ صنمٍ قديم...

سيقولُ الناسُ يومَها، إنّ الحياة سيدةُ الأمكنة، سيسيرون يداً بيدٍ على ضفةٍ ستنشأُ من تضافرِ الغيمِ والدّمع، سيضحكون حين يعودُ صهيلُ الحصانِ ليسحر الصغارَ ويعلّمهم حدودَ الصوت، ستطيرُ اليماماتُ من حقلٍ إلى حقلٍ حاملةً كلامَ السنابلِ وألوانَ الفراشاتِ كحكاياتٍ لا تُصدَّقُ، سيقولُ الناسُ يومَها أنّ لا حاجةَ للقولِ، وينتهون إلى منازلهم الفقيرةِ في المساء، وستبدو أكثر فخامةً من دعاءٍ مستجاب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.