المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد شلبي Headshot

شهادتي عن مجزرة الساجدين "2"

تم النشر: تم التحديث:

2017-08-22-1503440218-8736689-medium_20170708085881612f.jpg

"الإخوان بيقتحموا مقر الحرس وبيقتلوا الجيش" تلك كلمات سمعتها بأذني من أحد قاطني الأدوار السفلية المطلّة على أحداث الفضّ، وأمام كل ما يراه من قتل وانتهاكات بحق المعتصمين يقولها بدم بارد وهو يشرب سيجارته مرتاح الضمير، أحسست حينها بالصدمة العاجزة عن تفسير ذلك المشهد، أوَيعقل أن يرى أحدهم ما يحدث ويكذب تلك الكذبة؟! لكن ما تبع ذلك من أحداث كان كافياً لتفسير ما نحن أمامه من جفاء وانسلاخ من كل معاني الإنسانية.

بعدما انتظرت قرابة النصف ساعة ذهاب إحدى جيبات الشرطة العسكرية التي اعتقلت مجموعة ممن احتموا بالشوارع الخلفية وتم رصدهم من المروحية، ركضت سريعاً في أحد الشوارع الفرعية في اتجاه صلاح سالم إلا أنني تفاجأت بمجموعات من قاطني العمارات المجاورة لدار الحرس وهي مساكن للجيش قد نزلوا بأسلحتهم الشخصية لمساعدة قوات الفضّ، وإلقاء القبض على مَن نجا من المذبحة، وقد طلبت منهم عدم الاحتكاك وتَرْكي فقط أعبر من الطريق إلا أنهم قاموا بالتعدي عليَّ وتكتيفي تحت تهديد أحدهم بسلاحه الخاص وقيامهم بتسليمي لقوات الصاعقة عند منطقة عسكرية مغلقة قريبة.

وحين تم تسليمي لقوات الجيش قام قائد القوات الحراسة برتبة "رائد" بتفتيشي مع استجوابي والتعدي عليَّ بالضرب والسبّ وكان مما أعاد تكراره مراراً: "إحنا بقى كفرة وانتم المسلمين" كانت تلك الجملة لا تفارق لسانه مع كل كلامه الموجَّه لي، وقد حاول كذلك فتح الهاتف الخاص بي وطلب منّي رمز المرور، إلا أني رفضت فكان ينهال عليَّ بالضرب والركل وأنا مكبَّل اليدين للخلف، وفي ذلك الموقف رأيت من المهانة ما لم أرَه في حياتي، ورأيت كمّاً من الكره والحقد ما لا يستوعبه عقل إنسان سويّ، وبعد إصراري على رفض الإجابة عن أي سؤال وأني مارست حقي الطبيعي في التظاهر والاعتصام دون أن أرتكب أي جرم أو تعدٍّ على أحد، بل نحن مَن تم انتهاك حقوقنا وقتلنا عمداً بدم بارد ودون تردد في أولى مجازر للجيش المصري بعد انقلابه على أول رئيس شرعي منتخب بعد الثورة.

تم تسليمي لقوات الشرطة العسكرية التي قادتني مع مجموعة أخرى تم اعتقالهم من أماكن أخرى أثناء الفضّ، وكنا نمشي في صف مفرد ووراء كل منا مجند يحمل رشاشاً وضع فوهته على ظهورنا ونحن مقيَّدو الأيدي، وكانوا يصيحون فينا أثناء سيرنا "انتم فاكرين نفسكم نجيتوا انتم لسّه ما شوفتوش حاجة"، مما جعلنا نظل نردد الشهادة طيلة تحركنا اعتقاداً منا أنه سيتم إعدامنا وتغطية ذلك، تم نقلنا في سيارات تابعة للجيش لدار القوات الجوية المجاورة لدار الحرس الجمهوري، وقبل صعودنا كانوا قد صادروا جميع الهواتف ومتعلقاتنا الشخصية وتكسير جميع شرائح الهاتف.

وعند وصولنا كانت المفاجأة في الأعداد المهولة من المعتصمين الذين جرى اعتقالهم خلال الفضّ، وكانت مقسمة على شكل حلقات متباعدة تتراح بين الـ٥٠ و١٠٠ شخص، وتم وضعها جميعاً بعيداً عن الظل تحت الشمس وكانت شديدة الحرارة يومها، دون تقديم أي إسعافات للمصابين وتركنا دون ماء ودون ظل، وكان يمر علينا المجندون "الغلابة" ويسبّون تارةً ويضربون أحدنا تارةً دون أمر من قائدهم، بل إن قادتهم من كانوا يوقفونهم في محاولاتهم التعدي علينا، وبدأت بعض القوات الأمنية الأخرى من الشرطة وأمن الدولة والمخابرات في الوصول إلى أماكن تجميعنا والتحاور مع الدكتور محمد وهدان، أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث كان من ضمن مَن اعتقلوا في فضّ دار الحرس الجمهوري.

وأثناء انتظارنا وإذ بفوج يصل إلى مجموعتنا وأحد المعتقلين كان منهاراً تماماً، ويصرخ في وجه الجنود بصورة هيستيرية ويحكي وهو يبكي ما رآه بعينه من قتل أحد الرضع أثناء اقتحام أفراد قوات الفض إحدى الخيام؛ حيث كانت تتواجد فيها إحدى المعتصمات مع رضيعها، وقام الجندي بإطلاق النار على الرضيع وقتله، وهو يحلف بالله أنه رأى ذلك بعينيه وينهار في البكاء دون توقف، ونحن تتوالى علينا الصدمات من مآسي ما رأيناه وعِشناه في تلك الأحداث.

بدأت قوات الجيش وبعد وصول كاميرات الإعلام والدعم المعنوي بإخلاء جميع المجموعات من المصابين الذين تم رفض علاجهم منذ وصولنا لدار القوات الجوية ونقلهم بالإسعاف للمستشفيات، وذلك ليبدأوا بتصوير مجموعات المعتقلين وإظهارنا في صورة المعتدين على قوات الجيش بمحاولة اقتحام دار الحرس الجمهوري، كما أشاعوا في الإعلام.

كنا نسمع أصوات المتظاهرين القادمين من رابعة نسمع هتافهم وإطلاق الرصاص عليهم من قِبَل قوات الجيش عاجزين تماماً، وأتذكر إحدى ساكنات العمارات المطلّة على ساحة القاعدة الجوية وهي تشير إلى المتظاهرين من الأعلى على أماكن تواجدنا وتصرخ: "هنا.. هنا"، مشيرة بيدها لأسفل، لا أزال أتذكرها وأبتسم فقد كانت شعاع الأمل "الضمير الحي المتبقي" في ذلك الظلام الدامس.

تفاجأنا بنزول القوات الجوية وأطبائهم الذين أصروا على تقديم المساعدة لنا إلى أن يتم ترحيلنا؛ حيث جلبوا لنا الماء والسماح لنا بدخول دورات المياه الخاصة بهم، وكانت الحقيقة من المواقف التي لا أنساها برغم كل ما مررنا به، فنحن لم نحمل يوماً حتى أثناء ثورتنا إلا الحب والانتماء والاعتزاز بجيشنا رغم أنه أدار ظهره لنا أثناء الثورة بحجة الحياد، وها هو الآن يستقبل أحضاننا بالرصاص غدراً، وعندما ذهبت لأتوضأ وأغسل وجهي من حرارة الشمس الشديدة بعد حرماننا من الاحتماء في الظل، صاحبني أحد قادة القوات الجوية أثناء خروجي وسألني عن عمري ودراستي، فلما انبهر بتخصصي فقال لي "ليه يا ابني تضيع مستقبلك! ليه تمرمط أهلك؟"، فابتسمت ورددت: "هو أنا اتمسكت باخد مخدرات ولا باعمل حاجة غلط؟ أنا واحد نزلت خايف على بلدي وباحمي الثورة اللي شاركت فيها زيي زي باقي الشباب اللي نزل ومات قدام عيني بدون أي جرم أو ذنب"، فرد عليّ: "يا ابني انت شكلك ابن ناس ومش بتاع بهدلة نصيحة منّي ما تضيعش نفسك وشوف مستقبلك"، رغم أنه لا يعلم أو يتناسى أننا ما نزلنا جميعاً إلا لحماية مستقبلنا ومستقبل أولادنا من أن يسرق على أيدي مَن باع وطنه وخانَ شعبَه.

ومن الطرائف أن أحد الشباب استطاع أن يخفيَ هاتفه المحمول، فجعلنا جميعاً نتصل خفية لنطمئن أسرنا، فلم أتذكر وقتها إلا رقم والدتي مما كنت فيه من ارتباك، فاتصلت بها أطمئنها وأبلغها أنه تم اعتقالي وأني بخير وتُطمئن والدي اعتقاداً منّي أنه استطاع العودة لميدان رابعة، فهو كان في المستشفى الميداني يعالج المصابين، فكان ردها "يا ابني والدك عندك دوَّر عليه، ربنا يثبتكم"، بكل بساطة وثبات لا أنساه، وكيف لي أن أنسى.

يُتبَع..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.