المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد حنفي Headshot

لماذا نصوم؟ (3)

تم النشر: تم التحديث:

في مقالنا الأول من سلسلة لماذا نصوم؟ أسَّسنا لضرورة تقديم الأحكام في ضوء حِكَمها ومقاصدها وفلسفتها، وحدود وضوابط هذا التوجه، وعدم إخلاله بأمر التعبد، وفي المقال الثاني تناولنا بإيجاز مقصدين وبُعدَين مهمين للصيام وهما: المقصد الإنساني، ومقصد الحرية والتحرير، واليوم نكمل تلك الحِكم والمعاني فنقول مستعينين بالله:

ثالثاً: تحقيق الوحدة والترابط الاجتماعي

يبدأ المسلمون صومهم في يوم واحد، ويُعيّدون في يوم واحد، كما يُمسكون عن الطعام والشراب في لحظة واحدة، ويعودون إليه في لحظة واحدة في المدينة الواحدة، وتنظم المساجد والمؤسسات الإسلامية في أوروبا وفي العالم العربي والإسلامي موائد الإفطار الجماعي التي تعكس روح الترابط الاجتماعي والثقافي بين المسلمين خلال شهر رمضان، وتجتمع الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة خلال شهر رمضان، كما لا تجتمع في غيره من الشهور والأوقات، وتلتقي العائلات والأصدقاء في الإفطار في جو إيماني واجتماعي فريد.

كل هذا ناطق بواحد من مقاصد الصيام المهمة، وهو أن الصيام يجمع المسلمين في رمزية للأخوة والتواصل والاجتماع، وإن تباعدت البلدان، واختلفت الألسن والألوان، لهذا فليس هناك مبرر فقهي لاستمرار الاختلاف حول إعلان بداية ونهاية رمضان كل عام حتى يصل إلى ثلاثة أيام في بعض الأحيان، وقد كان الدافع وراء القول باختلاف المطالع بمعنى: أن ترى كل بلد الهلال فإن رأوه صاموا، وإن لم يروه أكملوا العدة دون نظر إلى رؤية غيرهم في البلدان الأخرى، كان الدافع وراء هذا القول طبيعة زمن الفقهاء قديماً، حيث لم يتصوروا إمكانية وصول خبر الرؤية إلى البلد الآخر، لهذا كان هذا الرأي متوافقاً مع واقعهم وبيئتهم، أما في زماننا فيُنقل الخبر صوتاً وصورة في نفس اللحظة، لهذا ليس هناك مسوغ أو مبرر للقول باختلاف المطالع اليوم، لأنه يؤدي إلى اختلاف المسلمين داخل البلد الواحد، فقد يُرى الهلال في شماله ولا يرى في جنوبه!

وقد انتهى أضخم مؤتمر فقهي فلكي عقد في إسطنبول، مايو/أيار 2016م، إلى ترجيح التقويم الأحادي، وأصدر تقويماً هجرياً موحداً يقوم على أسس شرعية وفلكية قوية، وأُقر بأغلبية ثلثي الحضور الذين مثّلوا 76 دولة، وهو يؤسِّس لوحدة عالمية للمسلمين في الصوم والفطر، ويحقق بامتياز مقصد الترابط والاتحاد، ويقضي على الاختلاف الحاصل في الصوم والفطر، ويربط المسلمين بتقويمهم الهجري، حيث يمكنهم تنظيم حياتهم عليه.

يتحدث الدكتور مراد هوفمان مندهشاً حول اختلاف المسلمين في تحديد بداية رمضان ويوم العيد، فيقول: "من المخزي أن يظل مسلمو الأرض مختلفين في أيام بدء وانتهاء صومهم تبعاً لكونهم أتراكاً، أو مغاربة، أو سعوديين، وهذا أمر من شأنه أن يضر بالصوم بوصفه حدثاً جماعياً، وأن يُعرض المسلمين لسخرية الآخرين.

ويرجع الاختلاف لسببين: أولهما أن الأمة مجزّأة إلى دول قومية، ولا يكفي التركي أو المغربي أن يعرف أن رؤية الهلال ثبتت في مكة، إذ لا بد بالنسبة لكل منهما أن تثبت رؤيته في قونية، أو فاس.

والسبب الثاني: أنه جرت العادة في عصور الإسلام الأولى أن تثبت رؤية الهلال بالعين المجردة، وليس بالحسابات الفلكية أو بالتنبؤات، ويتمسك المتشددون بتلك الإجراءات لتحديد الشهر القمري، رغم أن تحديد الهلال أمر هين بالحسابات الفلكية الدقيقة اليوم.

أليس من الممكن حقاً أن تُوحَّد مواعيد شهر الصوم في أنحاء العالم الإسلامي كافة بناء على الحسابات الفلكية!"

وإنما شرعت زكاة الفطر، لتحقيق هذه الوحدة والترابط الاجتماعي في يوم العيد، فلا تقتصر الفرحة بالعيد على الأغنياء والقادرين فقط، وإنما يشترك الجميع الغني بماله، والفقير بما وصله من صدقة العيد.

ولتحقيق معنى الجماعية في الصوم والفطر اتفق الفقهاء على أن من صام في بلد وعيَّد في بلد آخر، وجب عليه الفطر في البلد الذي عيَّد فيه، فإن ترتب على ذلك أن صام 28 يوماً أفطر مع الجماعة وعيَّد معهم، ثم قضى اليوم وحده بعد رمضان، وإن ترتب على ذلك أن يصوم 31 يوماً أفطر سراً، وذلك ليتناغم مع الجماعة ولئلّا يخدش جماعية الصوم، ودليل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس).

ومع الاختلاف الذي يقع في أوروبا في الصوم والفطر، أكدنا لمسلمي أوروبا أن وحدة الأسرة أولاً، فوحدة المسلمين في المسجد الواحد، ففي المدينة الواحدة، فالوحدة الأوروبية، وذلك رعاية وتحقيقاً لمقصد الترابط والوحدة الجماعية للمسلمين.


لقد كان فضيلة الشيخ عبدالمعز عبدالستار -رحمه الله- يقول: إن المساجد هي مصانع التوحيد، أي أنها توحِّد بين الناس وتذيب الفوارق بينهم، وأكثر ما رأيت هذا المعنى جلياً واضحاً في رمضان أوروبا، حيث تجتمع أكثر من 50 جنسية على مائدة إفطار واحدة، يدور بينهم الحديث والتعارف والتواصل المفقود في العالم المادي الذي يعيشونه، حتى رأيت شخصيات مرموقة من المسلمين الجدد يفَضِّلون الإفطار في المسجد رغم تواضع الطعام، على الفطر في المطاعم أو بيوتهم طلباً لهذا الدفء الاجتماعي المفقود على مدار العام.

وقد لفت المفكر والفيلسوف الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري النظر إلى خطر الوجبات السريعة "التيك أواي" التي تُفقد الناس متعة إعداد الطعام والجلوس والحوار معه فقال: "إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة، مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته، أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأنس بغيره.

ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا"، أي معاً، تشير إلى مجموعة القيم هذه".

ويبقى أن نقول: إن هذه الإفطارات الجماعية المهمة، لم تنجح بعد في إبراز هذا المقصد الاجتماعي بالصورة المرجوة الكافية، خاصة في الغرب، الذي يعاني فراغاً اجتماعياً يمكن للحضور الإسلامي في الغرب أن يسهم في ملئه في إطار التواصل الحضاري المأمول.

إن ما نشهده في شهر رمضان المبارك من حصار ومقاطعة لبلد عربي شقيق، يُبطل هذا المقصد، ويشوش على الوحدة التي نتغيّاها من الصيام، ويقدِّم صورة سلبية للمسلمين في العالم، ويجعلهم مثاراً للسخرية في الصحافة العالمية، كما عبَّرت صحيفة ألمانية في رسم ساخر مضمونه: السعودية تطالب قطر بعدم التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة! في إشارة إلى التناقض الصارخ، فإذا كنتم تتجهون في الصلاة لقبلة واحدة، وتصومون وتفطرون في لحظة واحدة ففيمَ المقاطعة والحصار؟!

إن تأييد بعض العلماء والدعاة لهذا الحصار أمر مخجل ومحزن، فالأصل أن يأخذ العلماء بيد السلاطين والحكام إن تخاصموا أو تدابروا، أو حرَّش الشيطان بينهم في غير رمضان، فكيف برمضان؟!


ولئن قُبِل ذلك فرضاً من الأنظمة والحكومات فلا يقبل بحال من العلماء، ويجب ألا تسقط الشعوب في سجالات ومواقف، تشوش على وحدتها وأخوتها وتماسكها، وحين تقع في هذا في شهر الصوم، فحظها من صيامها الجوع والعطش.

رابعاً: تنمية ملكة الإبداع والتجديد
يتحدث خبراء التنمية البشرية عن أن من أهم طرائق الإبداع والتجديد (التفكير بالمقلوب)، فإذا كانت الصورة التقليدية أن يذهب التلميذ للمدرسة، فالتفكير بالمقلوب أن تأتي المدرسة للتلميذ في البيت، وقد طُبق في صور التعليم عن بُعد، وإذا كانت الصورة التقليدية في حدائق الحيوانات أن توضع الحيوانات في أقفاص ويشاهدها الناس بالتنقل بين هذه الأقفاص، فالتفكير بالمقلوب، أن يوضع الزّوار في الأقفاص والحيوانات تكون طليقة في الحدائق، وقد طُبق هذا في بعض حدائق الحيوانات في أوروبا، وكان الإقبال على هذه الحدائق أكبر؛ لأن متعة الناس كانت أكبر، حيث تابعوا الحيوانات على طبيعتها، كما مارست الحيوانات حياتها بصورة شبه طبيعية مما أطال في عمرها نسيباً مقارنة بغيرها.

والصيام تفكير بالمقلوب، ومخالفة للمألوف، حيث يخالف الصائم عادته في الطعام والشراب وسائر المباحات، فيمتنع عن الطعام في الوقت الذي يأكل فيه الناس عادة، ويأكل في وقت لا يأكل فيه الناس عادة، وهو وقت السحور، ليحفز هذا السلوك الصائم على التفكير الإبداعي، ولو وقفنا على هذا المقصد ففكرنا في حلول إبداعية لأزمات الأمة التي كادت تتأبَّى على الحل في هذا الجو الإيماني الخاص، لكان شهر رمضان بمثابة ورشة عمل فكرية إبداعية متجددة من عام لعام.

وللحديث بقية..


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.