المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. خالد حاجي  Headshot

متى يولد فينا المُثَقَّفُ-المُثَقِّف؟

تم النشر: تم التحديث:

تحولت ساحة الفكر العربي والإسلامي إلى فلاة مبسوطة يحار فيها الطرف دون أن يهتدي إلى نقاط استدلال، بعد أن كانت تعج بأفكار ومقولات ترشد القارئ إلى وجهة التقدم والنهوض والتطور. فماذا جرى يا ترى؟ فإما أن الثقافة العربية الإسلامية، مثلها مثل باقي الثقافات في زمن العولمة، قد دخلت عهد « نهاية النظرية »، تحت تأثير وسائل التواصل الجديدة؛ وإما أن مشاريع النهوض العربية والإسلامية قد استنفذت أغراضها وكشفت عن عجزها عن مواكبة طموحات أفراد المجتمع وفهم ما يعتمل داخلهم من مشاعر وأحاسيس جراء الاحتكاك بمنضومة قيمية معولمة؛ والرأي عندنا أن هناك شيئا من هذا وذاك.

لقد أصبح الفرد في المجتمعات العربية والإسلامية يعيش تحت وابل من المعلومات الجديدة لا ينضب معينه ولا ينقطع صبيبه، وهو الأمر الذي صرفه عن التفاعل مع كل أشكال التركيب النظري. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة أوهمته بأنه بمقدوره أن يساهم في إعادة تشكيل الواقع الكوني وأن يعيد ترتيب العلاقات بين الناس على شرطه، لا على شرط غيره، وهذا ما أورثه حالة شعورية جديدة جعلت صدره أضيق من أن يتسع للأفكار الكبرى؛ فقد أصبح شغله الشاغل هو عرض الصورة وراء الصورة، ظنا منه أنه بهذا العرض المستمر إنما يحقق ذاته ويبسطها على العالم. والعجيب أن كثيرا من المثقفين ورجال الفكر في العالم العربي والإسلامي لم يسلموا من سطوة وسائل التواصل الجديدة، فانصرفت هممهم لمنافسة العامة في تحقيق الذات وإثباتها عبر عرض صورهم، عوض عرض أفكارهم؛ لقد أصبحت ثقافة الصورة تستدرج العقل والفكر والنظرية استدراجا تضيع معه المعاني البناءة، استدراجا يُوسِّع أمام أشكال من الحريات الهدامة.

فوق العجز عن توظيف وسائل التواصل الجديدة توظيفا يوائم بين مطلبي الحرية والبناء، أبانت النخب المثقفة والمفكرة، صانعة مشاريع النهوض في العالم العربي، عن ضروب أخرى من العجز، على رأسها العجز عن تمثل واقع العصر تمثلا صحيحا. إن المتفحص لمشاريع النهوض التي كانت تؤطر وعي القراء والمثقفين في العالم العربي والإسلامي يجدها مشاريع تتصف بصفة الشمولية والكلية، حيث يسعى أصحابها إلى تعيين أسباب تخلف الأمة العربية سببا سببا، وتعيين سبل الخروج من هذا التخلف سبيلا سبيلا، حتى أن بعضهم رد تخلف الأمة إلى لغتها، والآخر إلى عدم احترام « العقل العربي » المسكين لمقتضيات « العقل المطلق »؛ كما حدد بعضهم الآخر شروط النهوض في شكل من أشكال العودة إلى الدين، وجعل آخرون من التخلص من العقل الديني شرطا من شروط التقدم. والحال أن هذه المشاريع النظرية لم تكن في واقع الأمر إلا انعكاسا لمنظومة ثقافية يسود فيها الفكر الشمولي، لأن تعيين أسباب التخلف، مثله مثل تعيين سبل التقدم، يظل أمرا متعذرا، والدليل على ذلك أن الغربيين أنفسهم عاجزون عن تعيين أسباب تقدمهم، فهذا يرد سبب إقلاع الغرب المالي والاقتصادي إلى روح الديانة البروثستانتية، وذاك يرده إلى الإرث الكاثوليكي، وثالث يقول بأن الأصل في تقدم الغرب اليوم هو ابتعاده عن الدين أصلا، وهكذا دواليك. لقد صار من الواضح أن عوامل سقوط الأمم والثقافات والحضارات ونهوضها هي من التعقيد بحيث يستعصي الخوض فيها بعقلية شمولية تتوخى القول الفصل في الأمور. فليس تعيين سبب التخلف أو التقدم إلا قراءة بعدية في الأحداث.

لقد صار من العبث محاولة دعوة الفرد العربي والمسلم اليوم إلى استصحاب تاريخ طويل من الصراعات المذهبية والعقدية حتى يتمكن من إتيان الفعل المناسب الذي فيه خلاصه اليومي في واقعه الحضاري الجديد. لم يدرك كثير من أصحاب مشاريع النهوض أننا أصبحنا جزء لا يتجزء من ثقافة معولمة، وبالتالي لم يعد الفصل في قضية خلافية في تاريخنا، بين المعتزلة والأشاعرة، أو بين السلفية والصوفية، أو بين بني أمية وبني العباس، أو بين بن رشد والغزالي مثلا، لم يعد الفصل في مثل هذا الخلاف يعنينا أو يعيننا لتحديد طبيعة الفعل وشكل الحركة وضرب الصناعة و طريقة الكسب اللازمة لتحقيق الرخاء الاقتصادي والنمو الصناعي والتقدم الحضاري والاستقلال الثقافي. إننا نشيح بأوجهنا عن محاور الاستقطاب الفكري الجديدة، لنغرق في جدالات عقيمة لن يفضي الفصل فيها إلى نتائج ذات جدوى وعلاقة بالفعل.

عند التأمل نجد بأننا، خاصة وعامة، مثقفين وأميين في العالم العربي والإسلامي، كلنا بدرجات متفاوتة، نتيجة عصور الانحطاط، ضحية الذهنيات والعقليات التي أفرزتها هذه العصور. فمثقف عصر الانحطاط ليس هو مثقف عصر النهوض مثلا. ليس مثقف عصر الانحطاط إلا « مُثَقَّفا »، اسم مفعول يقع عليه الفعل، إما فردا ناطقا باسم ثقافته، وشاعرا متغنيا بأمجادها، وفقيها متحوطا لحماية بيضتها، وفيلسوفا منظرا لنهوضها، وثائرا مستبدا على استبدادها، وما إلى غير ذلك. لم يولد بعد « المُثَقِّفُ » فينا، اسم الفاعل هذا، الفرد الذي يصدر من ثقافته ليسبر أغوار المجهول، ويكتشف أحيازا ثقافية أخرى، ويتلمس طرائق جديدة في الوجود، حتى إذا استوعب روح العصر، عمد إلى تثقيف مجتمعه تثقيفا يوسع آفاق نظره، ويعين إمكانات التمفصل مع العوالم الخارجية وسبل الاستفادة منها.

ما أحوج الثقافة العربية الإسلامية اليوم إلى « مُثَقَّفين-مُثَقِّفين »، ينهلون من روح التراث ومن روح العصر من أجل تخليص الفضاء العربي والإسلامي من سطوة الجمود التي استحكمت فيه حلقاته؛ ينبذون الشمولية كمنهجية في التفكير، يُعيِّنون مواطن الفصل بين الحرية والهدم، ويوسعون آفاق الإدراك لدى الفرد العربي والمسلم، حتى يتبين له أن العالم أوسع من أن يخضعه عقل إنساني إلى فكرة واحدة، ونظام واحد، حتى وإن كان هذا العقل إسلاميا.