المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد فاروق Headshot

ويلٌ للمؤرخين من التاريخ

تم النشر: تم التحديث:

بعض كتب التاريخ عبارة عن دعاية مكشوفة، فقد تغيرت المادة التاريخية في طبعات عديدة لدائرة المعارف السوفيتية لأن كثيراً من السياسيين الذين تعاقبوا على قيادة الحزب الشيوعي كانت لديهم الحاجة إلى إعادة صياغة التاريخ الذي يدعم سياستهم.

كما أن كتب التاريخ المدرسية في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية كانت بها فجوات كبيرة في الذاكرة فيما يتعلق بوصف المذابح التي جرت لهم زمن الحرب، أما عن غالبية كتب التاريخ الأمريكي، فقد حذفت ذكر الرق والمذابح التي جرت للهنود الحمر، وزنوج أفريقيا، أو قللت من شأن شرور العنصرية.

كثير من الأحداث والوقائع التاريخية المدونة محملة بالأكاذيب والتزييف، وليس شرطاً أن تكون الكذبة مؤثرة بحيث تُحدِث فرقاً في رواية طبيعة الحادثة التاريخية أو المغزى منها، ولكن في بعض الأحيان يمكن لمجموعة من الأكاذيب لحدث ما أن تُحدِث قدراً كبيراً من الضرر يماثل ما تحدثه كذبة واحدة.

بعض ممن يكتبون في التاريخ يحاولون إضفاء المعنى على قصة ما فيبالغون فيها، فتكون المشكلة مشكلة تفسير، وهناك من يروون حادثة فيكون اختيار الأدلة وترتيبها أمراً ضرورياً وحتمياً، فهم لا يستطيعون أن يضعوا كل ما لديهم من معلومات وحقائق فيما يكتبونه، وتعطي بعض الأكاذيب إشارة عن نفسها لحظة وصولها، فإذا كان الكذب تحريفاً لرواية تناقض الأدلة والحقائق، فيتحتم على المؤرخين الرد على هذا وتصحيحه.

إن تزوير التاريخ لا يكون تزويراً للأحداث فقط، وإنما هو قراءة منحازة لهذه الأحداث تركز على بعضها، وتهمل البعض الآخر، ومن المهم أن نعرف أن هذه القراءة المنحازة للتاريخ، لا يمكن اعتبارها من أنماط الدراسة التاريخية؛ فالدراسة بطبيعتها بحث عن الحقيقة، والبحث عن الحقيقة يعني البعد عن الانحياز والهوى.

وقد أشاع كثير من المستشرقين والمؤرخين الغربيين بعض الشائعات التاريخية في قراءتهم لتاريخ العلاقة بين العالم الإسلامي وأوربا أثناء حركة الفتوحات الإسلامية، ثم تاريخ الحروب الصليبية، فالصراع بين الدولة العثمانية وأوربا، وانتهاء بحركة الاحتلال الأوربي، وفي تلك الفترات تراوحت القراءات المنحازة بين فترة وأخرى.

فقد شهدت الفترة من القرن السابع الميلادي حتى القرن الثالث عشر الميلادي قدراً كبيراً من الانحياز والتشويه ضد حركة الفتوحات الإسلامية، فتحمل كتابات تلك الفترة كافة خصائص التزوير المتعمد للحقائق التاريخية.

أما الفترة منذ القرن الرابع عشر وحتى القرن التاسع عشر، فقد شهدت محاولات جادة لفهم التاريخ على الوجه الحقيقي والدراسة الواعية لتاريخ المسلمين بعد أن طوّر الأوربيون منهج البحث التاريخي وطرقه.
إن تزوير التاريخ ليس قراءة منحازة ومزيفة فقط، وإنما هو تزييف للوعي والإدراك، مع انتشار تلك القراءات المنحازة بسهولة بين عامة الناس، لأن القوى السياسية أو الاقتصادية التي توظفها تملك أدوات نشرها بين الجماهير التي لا تعرف شيئاً عن تاريخها، أو تعرف النزر اليسير بسبب فقر المناهج الدراسية في المدارس وفي الجامعات.

هذه هي المشكلة التي نرى آثارها واضحة في البلاد العربية عامة، فمعالجة مشكلات تدريس التاريخ في المدارس والجامعات يمكن أن تحول دون تزييف الوعي بالتاريخ، وتزييف الوعي هو الأشد خطورة، لأن البحث التاريخي سيظل وقفاً على الباحثين.
إن القراءات المنحازة والمزيّفة للتاريخ تجعل البعض يظنون أن هذا تزوير للتاريخ على خلاف الحقيقة، فلو أمكن تزوير التاريخ لما كانت هناك ضرورة للبحث العلمي في مجال الدراسات التاريخية.

وتتمثل المراجعات التي وجدت في العقود الأخيرة وحتى الآن، على سبيل المثال في التاريخ العثماني، فهناك الكثير من الأبحاث والدراسات التي عدّلت القراءة الاستشراقية للتاريخ العثماني، والتي سادت طوال الفترة الماضية، وقد نجحت هذه المراجعات والقراءات الجديدة، فإمكانية إعادة القراءة تظل قائمة، لأن التاريخ الحقيقي يظل موجوداً ولا يمكن تزويره، وسيجده من يبحث عنه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.