المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد فهمي Headshot

مقتل جوليو ريجيني ومأساة البحث العلمي في مصر

تم النشر: تم التحديث:

لا شك أن مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني يمثل تهديدا حقيقيا للعلاقات السياسية والاقتصادية بين مصر وإيطاليا التي تعد أهم شريك اقتصادي لمصر في أوروبا.

فقد صدر عدد الجمعة من جريدة "لاستامبا" الإيطالية وفي صفحتها الأولى صورة الشاب ذي الثمانية وعشرين عاما تحت عنوان "الشرطة المصرية متهمة". فالصحيفة رأت أن كل الشواهد توحي بأن ذلك لم يكن حادثا عرضيا، بل بفعل فاعل، وقالت إن من المحتمل أن جوليو قُبض عليه يوم ٢٥ يناير، يوم عيد الشرطة، وأنه اقتيد لقسم من أقسام الشرطة حيث خضع لتحقيق أفضى إلى تعذيب أفضى بدوره إلى الوفاة. وتكهنت الصحيفة بأن جثة جوليو ربما ظلت قابعة في إحدى ثلاجات المشرحة حتى بدأت السلطات الإيطالية تطالب بإظهار حقيقة ما جرى له.

حينها قررت السلطات التخلص من الجثة ورميها في الصحراء والادعاء بأن جوليو مات نتيجة حادث سير. واختتمت الصحيفة تعليقها بأن السلطات المصرية ستواجه صعوبة في توضيح حقيقة ما حدث لإيطاليا.

وبالرغم من أهمية تداعيات هذا الحادث الخطير على العلاقات المصرية الإيطالية، فإن دلالاته على حالة البحث العلمي في مصر لا تقل أهمية. فمقتل جوليو بهذه الطريقة البشعة سيكون له بالتأكيد عواقب وخيمة على سمعة البلاد وعلى قدرتها على جذب الباحثين والدارسين إليها، بالإضافة إلى ما يمثله من نموذج صارخ للمخاطر التي تواجه الباحثين في مصر من أجانب ومصريين.

وفي هذا الصدد وجهت لجنة الحرية الأكاديمية التابعة لرابطة دراسات الشرق الأوسط، ميسا، خطابا شديد اللهجة للرئيس السيسي، ولوزير الخارجية، سامح شكري، ولوزير الداخلية، مجدي عبد الغفار، بخصوص ملابسات مقتل جوليو ريجيني. في هذا الخطاب المؤرخ في ٤ فبراير قالت اللجنة إن مقتل هذا الطالب:

"يعد أحدث وأخطر مثال للمخاطر التي يمثلها المناخ السياسي في مصر للمنخرطين في العمل الأكاديمي. لقد كتبنا لكم مرارا على مدار الأشهر الماضية تعبيرا عن إنزعاجنا من عدد وطبيعة انتهاكات الحرية الأكاديمية وحرية التعبير. هذه الانتهاكات تحتاج للعديد من الصفحات لحصرها كاملة، ولكن نجمل ونقول إنها تشمل: منع الأكاديميين من دخول البلاد والتضييق على غيرهم من الباحثين؛ التدخل الحكومي الغاشم في شئون الجامعات؛ فصل وطرد المئات من الطلاب والأساتذة؛ إصدار أحكام بالأعدام في حق العديد من الأكاديميين". وأضافت اللجنة قائلة "إن مقتل ريجيني ليس حادثا عرضيا، بل نتيجة منطقية لتنامي ظاهرة قمع الدولة للأساتذة والطلاب".

وفي الحقيقة، يمثل خطاب ميسا، على حدته، أقل ما يجب أن يقال اعتراضا على الحالة المزرية للحرية الأكاديمية في البلاد، كما يلفت النظر لخفوت الأصوات المحلية المنددة بتلك الحالة الخطيرة التي ترزخ تحتها جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية والتثقيفية. فباستثناء بعض مؤسسات المجتمع المدني، ومن أهمها "مجموعة ٩ مارس لاستقلال الجامعات" ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، لا نكاد نسمع صوتا ينتصر لمدأ الحرية الأكاديمية ويوضح أهميتها ويدافع عنها.

والحقيقة أن الحرية الأكاديمية، وحرية الرأي، دائما مهددان، في كل مكان، وفي كل زمان، ويحتاجان يقظة دائمة ودفاعا مستميتا ضد محاولات التضييق عليهما ومصادرتهما إما بدعوى الحفاظ على "ثوابت المجتمع" أو الدفاع عن "الأمن القومي".

ونظرة سريعة لأحوال الحرية الأكاديمية في بلا مثلد تركيا (حيث يخضع مئات الأساتذة للتحقيق والتضييق نتيجة توقيعهم على عريضة تعترض على سياسة الحكومة تجاه الأكراد)، أو إسرائيل (حيث تكاد تنعدم الحرية الأكاديمية لمئات الآلاف من الطلاب والأساتذة الفلسطينيين)، أو الولايات المتحدة (حيث تغول اقتصاد السوق وتوحش في الحرم الجامعي وتآكلت معه حقوق الأساتذة خاصة غير المثبتين) - هذه النظرة السريعة توضح لنا كيف أن الحرية الأكاديمية مهددة دائما، وتحتاج جهودا مستميتة للدفاع عنها وللانتصار للطلاب والأساتذة الذين يدفعون ثمنا غاليا للحصول على معلومات أو للقيام بالبحث العلمي أو نظير التعبير عن رأيهم.

على أن المخاطر التي تهدد الحرية الأكاديمية في مصر الآن تفوق مثيلاتها في البلدان الأخرى، ليس فقط نتيجة لما تسميه الدولة "الحرب على الإرهاب" وتعليق كل الحقوق حتى تنتهي هذه الحرب، ولكن أيضا نظرا لغياب الأصوات المدافعة عن الحرية الأكاديمية، وعلو الأصوات الأخرى التي ترى أن الحرية الأكاديمية ترف لا حاجة له، في أحسن الأحوال، أو "كالسم في العسل" وكدليل على خبث المقصد وسوء النية، في أسوأها.

ونظرا لغياب الأصوات المدافعة عن الحرية الأكاديمية (الجامعة الأمريكية التي كان ريجيني ملتحقا بها اكتفت ببيان مخزي تعبر فيه عن أسفها "لموته مؤخرا") علا صوت الأمن، وأصبحت الأجهزة الأمنية مهيمنة على كل النواحي الأكاديمية، فنظرة سريعة على موقع أي جامعة يوضح تعاظم المهام التي يضطلع بها مسئولو الأمن في الحرم الجامعي، من الموافقة على التعيينات، لمراقبة النشاط العلمي للأساتذة والطلاب، للموافقة على إقامة مؤتمرات أو ندوات أو محاضرات عامة، للتصريح للأساتذة بالسفر للخارج.

وكما هو معلوم، يجب على كل باحث في العلوم الاجتماعية يود أن يقوم ببحث ميداني أن يحصل على موافقة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو جهاز يعبر اسمه عن عقلية تقرن المعلومات بالمجهود الحربي. وهذه التضييقات تنطبق على الباحثين المصريين حتى أولئك العاملين في جامعات حكومية. فلنا أن نتخيل موقف الأمن من باحث أجنبي يتحدث العربية بطلاقة، ويتواجد في الشارع دون تصريح، وعند استجوابه يتبين أنه يقوم بدراسة أوضاع العمال ونقاباتهم بعد ثورة يناير.

نحن لا نعرف على وجه اليقين الظروف التي أحاطت بمقتل جوليو ريجيني، على أن مقتله يوضح بشكل مأساوي غياب أي حقوق للدارسين والباحثين في مصر. صحيح أن الدستور يكفل في مادته رقم ٢١ استقلال الجامعة، وفي المادة ٢٣ حرية البحث العلمي، لكن واقع الحال يقول إنه نتيجة لتغول الأمن أصبحت الحقوق الدستورية منتهكة بانتظام، وأصبح الباحثون والأكاديميون عرضة لشكوك رجال الأمن وأهوائهم في أحسن الأحوال، وضحايا لبطشهم وتوحشهم في أسوأ الأحوال.

أنا متفهم أن على أجهزة الأمن أن ترتاب وتتحرى وتجمع معلومات عما يدور في البلد. هذا دورها، وهذا واجبها. وأتفهم وأوافق أن هذه الأجهزة عليها مسئوليات مضاعفة لمواجهة المخاطر المحدقة بنا من كل حدب وصوب. ولكن يجب أن تعمل هذه الأجهزة داخل الإطار القانوني والدستوري، وأن تخضع للمراقبة والمسائلة المجتمعية، وأن تقابل عقليتها الارتيابية عقلية أخرى تشجع البحث العلمي، وتدفع بالباحثين والدارسين لطرح المواضيع الصعبة والحساسة، وأن تجتهد لطرق ما هو جديد وغير مألوف. فالبحث العلمي لا يزدهر باجترار الماضي أو بإعادة تدوير المعلومات.

يجب رفع وصاية أجهزة الأمن عن جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية، ويجب الفصل بين التعبئة العامة والإحصاء، فذلك منطق ولّى عهده ومضى. ويجب على الدولة والمجتمع أن ينظرا للبحث العلمي على أنه ضرورة وليس ترفا، وأن الحرية الأكاديمية على أنها أساسية لنهضة المجتمع وليست كلمات نلوكها ترديدا لمقولات غربية. ويجب على الأكاديميين سواء كانوا أساتذة جامعيين أو طلاب أو باحثين أن يتمسكوا بمبدأ الحرية الأكاديمية وأن يطالبوا أجهزة الدولة ليس فقط بالكف عن التضييق عليهم ومراقبتهم بل بمساعدتهم في تأدية عملهم وبالتيسير عليهم في مهامهم. وبدون ذلك، بدون التمسك بحرية البحث والتعبير، نصبح كلنا، مصريون وأجانب، عرضة لأن نلقى مصيرا دمويا مأساويا كذلك الذي لاقاه جوليو ريجيني.

هذا المقال نشرعلى موقع جريدة البداية الإلكترونية، للإطلاع عليه اضغط هنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.