المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد التاج Headshot

روسيا/الولايات المتحدة: معاً من أجل معاهدة يالطا جديدة!

تم النشر: تم التحديث:

يبدو أن الظروف الموضوعية والعوامل التي جعلت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على النازية أي الاتحاد السوفياتي، الولايات المتحدة، وبريطانيا توقع معاهدة "يالطا"، نسبةً إلى المدينة الواقعة بشبه جزيرة القرم السوفياتية المطلة على سواحل البحر الأسود في فبراير من سنة 1945، وما تمخضت عنه من رسم خريطة العالم وتقسيمه إيديولوجيا إلى معسكرين شرقي شيوعي وغربي ليبرالي وبسط نفوذ القوى المنتصرة، يبدو أنها العوامل ذاتها الموجودة حالياً، على الرغم من بعض الاختلافات والتباينات الجيو-استراتيجية.

ففي الوقت الذي تحاول فيه روسيا بوتين جاهدة، التخلص من الإرث الثقيل لتفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين، وما ترتب عن ذلك من انحصار في النفوذ الروسي على أكثر من مستوى، كنتيجة لانهيار حلف "وارسو" وما يقابله من تمدد لحلف الشمال الأطلسي، ليضم بين صفوفه دولاً لطالما شكلت الحديقة الخلفية والمجال الحيوي لروسيا كدول البلطيق (إستونيا، لاتفيا، وليتوانيا) أو دول أوروبا الشرقية كبولندا ودول من ما تبقى من يوغسلافيا بعد تفككها، وهو ما كرس ولمدة أكثر من ربع قرن النظام أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية.

غير أنه ومنذ اعتلاء الرئيس فلاديمير بوتين عرش الكرملين، نلاحظ أن هناك عملاً دؤوباً تم القيام به على المستوى السياسي والعسكري وحتى الاقتصادي لإحياء الأمجاد الروسية، وإعادة هيبة الدولة النووية، والعضو الدائم بمجلس الأمن الدولي، وباعتبارها كقوة عظمى والعمل على كسر النظام أحادي القطبية والمناداة إلى تأسيس عالم متعدد الأقطاب تكون فيه روسيا لاعباً رئيسيًّا ومساهماً في صنع الحرب والسلام في أكثر من منطقة من العالم.

وقد كانت البداية الحقيقية والترجمة العملية لهذه السياسة الجديدة من حرب الشيشان وداغستان ونجاحها في إخماد طموحات الحركات الإسلامية الانفصالية، وحرب جوريا ونجاحها في فصل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عنها، ومن شبه جزيرة القرم ذاتها التي تحوي مدينة يالطا وما تحمله من رمزية، عبر إعادة ضمها ورفض أي نوع من أنواع التدويل للقضية باعتبارها شأناً سياديًّا حسب المنظور الروسي.

بالإضافة إلى ضم أجزاء هامة من شرق أوكرانيا كدونتسك (الدونباس)، ينضاف إلى ذلك الدور المحوري الذي تلعبه روسيا في الأزمة السورية من خلال التدخل العسكري المباشر والاستماتة في الدفاع وبكافة الوسائل عن حليفها الاستراتيجي بشار الأسد، ومناطق نفوذها الأخيرة على المياه الدافئة، لا سيما في الساحل السوري، ومن ثم الإعلان المفاجئ عن سحب جنودها والحلول دون الانغماس في المستنقع السوري وعدم تكرار السيناريو الأفغاني، والمساهمة في إيجاد خطة للتسوية عبر محاولة ايجاد مخرج سياسي للأزمة التي دامت لأكثر من 5 سنوات من خلال مؤتمر جنيف باتفاق واضح مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما شكل اعترافاً واضحاً من هذه الأخيرة بأهمية دور روسيا ونفوذها باعتبارها كقوة عالمية في منطقة على درجة كبيرة من الأهمية الاستراتيجية كالشرق الأوسط، والتي ظلت ولعقود طويلة كمجال للنفوذ الأميركي الحصري، كما أنست العالم القضية الأساسية التي فرضت على إثرها عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا ومحاولة عزلها سياسيًّا واقتصاديًّا ألا وهي قضية شبه جزيرة القرم.

مما لا شك فيه أن الصراع السوري شكل البوابة الرئيسية في اتجاه طريق النجاح بالنسبة لروسيا وإعادة تموقعها ضمن المنظومة الدولية الجديدة الآخذة في التشكل الآن لا سيما والأمر يأتي في سياق التراجع الملحوظ في النفوذ الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط لا سيما بعد حرب العراق سنة 2003 وما خلفته من انتكاسة أخلاقية واقتصادية وعسكرية بالنسبة للأميركيين، وتطبيع العلاقات مع غريمها التقليدي كوبا، والاتجاه إلى الاهتمام أكثر بمناطق أكثر حيوية وأهمية كجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ ومحاولة احتواء التهديدات الكورية الشمالية المتنامية، والعمل على إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية لا سيما بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، وبداية خروج هذه الأخيرة من محور "الشر" حسب المنظور الأميركي، كمقدمة على ما يبدو للاعتراف بدورها كقوة إقليمية ينبغي إدماجها ضمن المنظومة الجديدة قيد التشكيل، في مقابل التخلي التدريجي عن حلفائها التقليديين في الخليج.

ولعل ما يزكي هذا الطرح هو الانتقادات الحادة الأخيرة التي وجهتها الإدارة الأميركية وعلى رأسها الرئيس أوباما من خلال تصريحاته لصحيفة أتلانتيك، للسعودية ودعوتها إلى ضرورة التنسيق مع إيران في محاربة الإرهاب، فضلاً عن محاولة تحميلها المسؤولية المعنوية عن "الإرهاب التكفيري الوهابي" والانتقادات المتتالية لتدخلها العسكري في اليمن.

وعلى المستوى الاقتصادي تسعى روسيا جاهدة ومن خلال مجموعة البريكس BRICS التي تضم كلًّا من روسيا، جنوب إفريقيا، البرازيل، الصين، والهند.. وهي دول تحتل في مجموعها نحو 30% من مساحة اليابسة، وسوق تجاريٌّ مهملٌ يمثل حوالي 40% من سكان العالم يوازيه نمو اقتصادي متنامٍ وثروات طبيعية هائلة، إلى خلق تكتل اقتصادي قوي في مقابل النظام الاقتصادي الليبرالي الغربي، ويشكل بذلك مرتكزاً اقتصاديًّا لعالم متعدد الأقطاب الذي لطالما دعا إليه الرئيس فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة.

على ضوء هذه المتغيرات الجيو-استراتيجية المتسارعة على الصعيد الدولي ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط، يمكن القول إن العالم كما عرفناه خلال الربع قرن الأخير، والذي تسيدت فيه الولايات المتحدة الأميركية المشهد دونما منافس قوي، قد لا يكون بالضرورة كذلك في الأفق المنظور على الأرجح، وقد تلعب فيه روسيا إلى جانب قوى دولية أخرى صاعدة، دوراً فعالاً في تقاسم مناطق النفوذ عبر العالم وفي إعادة رسم الخرائط السياسية والجغرافية الآخذة في التشكل في العديد من المناطق، كما قد يشكل ذلك إعادة إنتاج أو استلهام لروح وفلسفة معاهدة يالطا التاريخية تماماً كما فهمها وأسس لها كل من تشرشل، روزفلت، وجوزيف ستالين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.