المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. خالد أبو الخير  Headshot

مسرحُ الفكر السعودي

تم النشر: تم التحديث:

عندما نتحدثُ عن الفكر في السعودية بكل أنواعه العلماني والليبرالي واليساري والإسلامي فعلينا التفريق بين الفكر والانتماء الديني لأنه من المشكلات التي لا تنفصل عن الفكر والمفكرين السعوديين. كما أن علينا أن نفرق في الفكر الإسلامي بين الدعاة أو المفكرين الإسلاميين وبين العلماء الشرعيين في الإفتاء والهيئات الدينية الرسمية والقضاة فهؤلاء لا يندرجون تحت مسمى الفكر في السعودية.

كما هو الحال في جميع الدول لدينا في السعودية تيارات فكرية تمتد من أقصى اليسار الشيوعي إلى أقصى اليمين الإسلامي وبينهما محطات فكرية علمانية وليبرالية وقومية وإسلامية بكل مشتقاتها الثلاثة المتنورة والمحافظة والمتطرفة.

وقد اخترت في عنوان المقال الحديث عن مسرح الفكر السعودي لأنه في الحقيقة أسرع الطرق في وصف الحالة السعودية فما زال الفكر السعودي منذ بداية تأسيس مدارسه الفكرية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فكر النخبة وليس فكر المجتمع. ومازال دور المجتمع السعودي دور المشاهد في المسرح والاستمتاع بكل ما يقدم على هذا المسرح دون أن يتفاعل أو يتقمص أي من أدوار الممثلين لهذا الفكر أو ذاك.

وفي اعتقادي أن البناء الديني الذي أسست له الاتفاقية الشهيرة بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب قبل قرنين يلقي بظلاله كعباءة على المجتمع السعودي تجعله لا يستطيع النظر إلى الأفكار والمفكرين إلا من خلال ما تسمح به هذه العباءة المظلة على المجتمع. ولذلك نجد ونحن في الألفية الثالثة في برامج الإفتاء التي تقدم في القنوات السعودية أو التي يملكها سعوديون أسئلة المشاهدين تسأل عن الحيض والطلاق وفي نفس الوقت تسأل المفتين حول المفكر الفلاني أو عن كتاب أو محاضرة المفكر العلاني لتأخذ من الشيخ المرجعية الشرعية لنقد الفكر والمفكرين. من هنا يمكننا أن نعرف حجم العباءة المظلة على الجمهور السعودي ومن هنا أيضا نعرف لماذا لا يصرح المفكر السعودي بكل ما يؤمن به سواء كان ينتمي إلى أي من المدارس اليسارية والعلمانية والليبرالية والقومية والإسلامية لأنه ببساطة سيجد أن الرقيب على فكره قبل الجمهور ووزارة الثقافة والإعلام ومنافسيه من المفكرين من التيارات الأخرى هم العلماء والمفتون في وسائل الإعلام أو في الهيئات الدينية.

إشكالية أخرى في مسرح الفكر السعودي هي ضحالة الانتماء الفكري إلى المدارس الفكرية والاكتفاء بنسبة ليست كبيرة من الشعارات التي تتبناها مدرسته مقارنة بالمفكر العربي في أي دولة عربية. فاليساري الفلسطيني على سبيل المثال هو يساري الفكر والاتجاه والكتابة والأهم أنه يمارس يساريته في حياته بشكل كبير. وكذلك حال العلماني التونسي الذي تبنى الفكر اللائكي أو العلماني فهو علماني الى النخاع, وعندما وصف عبد الفتاح إسماعيل خلال حرب الإخوة الأعداء في الحزب الشيوعي اليمني الجنوبي وصف بأنه ماركسي أكثر من ستالين ولينين. والإسلاميون بالطبع في مصر والعراق وسوريا والأردن لهم مواقفهم وفكرهم الذي واجهوا به حكامهم خلال الخمسينيات والستينيات وفي بعض الدول مازالوا إلى اليوم في الألفية الثالثة يواجهون بفكرهم الحاكم العسكري في دولهم.

أما الفكر والمفكرون السعوديون ففي رأيي أن تجذر التربية الدينية وتجذر التعليم الديني بالمنهج الذي وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه من بعده ( والقائم على توحيد مصطلح المسلم وتوجهه الفكري والعبادي والاعتقادي ) وتم تطبيقه بصرامة على أفراد المجتمع منذ تأسيس الدولة السعودية، جعلهم ينجذبون إلى المدارس الفكرية اليسارية والعلمانية والليبرالية والقومية والإسلامية على استحياء وخوف من المؤسسة الدينية وأن يأخذوا بأسلم الشعارات التي ينادي بها المفكرون العرب في المدارس الفكرية دون تعمق في الفكر أو تبن لكل مفرداته. بل من الغريب أن هؤلاء المفكرين السعوديين لديهم القدرة على تبني موقف معارض تماماً لمدراسهم الفكرية إذا صدر عن الدولة أو المؤسسة الدينية.

فقد نشأت في الخمسينيات والستينيات عدد من المدارس الفكرية المنتمية عضوياً إلى مدارس فكرية عربية لكن قوة الملك فيصل عندما كان ولياً للعهد في الخمسينيات ثم ملكاً في الستينيات والسبعينيات وحكمته استطاعت أن تقضي على كل تلك التنظيمات بل وتحويل مفكريها إلى وزراء وسفراء ومستشارين له.

فقد ظهر أول تجمع للمفكرين الليبراليين في السعودية في حزب نجد الفتاة في الخمسينيات على يد نخبة من مثقفي منطقة نجد مثل المنقور والحجيلان والتويجري وكان يستهدف النخبة الاجتماعية والثقافية من المتعلمين في منطقة نجد, وكانت أهدافه إصلاحية ذات طابع ليبرالي, حيث طالب في إحدى مراحله بالحكم اللامركزي للضغط على الدولة كي يحتل بعض أفراد هذا الحزب مناصب أعلى في الدولة.

كما ظهر الحزب الشيوعي السعودي في الخمسينيات والستينيات في المنطقة الشرقية خصوصاً بين عمال شركة أرامكو للبترول وقد بدأ على شكل أفراد ثم على شكل حزب في السبعينات وكانت بدايته على يد عدد من الشيوعيين الفلسطينيين. بالرغم من زعم البعض أنه تشكل في الخمسينيات كحزب وأنه قد شارك وفد سري من الشيوعيين السعوديين في المؤتمر السري للشيوعيين في الشرق الأوسط والأدنى والذي عقد في باطوم في جورجيا، ولم يحظَ الحزب باعتراف رسمي من الاتحاد السوفييتي بسبب اعتراف الاتحاد السوفياتي بالسعودية.

كما ظهر حزب سياسي وطني خلال مرحلة تكون الدولة السعودية في الحجاز وساهم في نقل الحكم من الشريف حسين إلى ابنه الشريف علي وكذلك من الشريف علي إلى الملك عبد العزيز. فقد تأسس الحزب الوطني الحجازي عام 1924 ومن أهم قرارته في 24 أكتوبر 1924عزل الشريف حسين وتعيين ابنه علي لامتصاص النقمة الشعبية في الحجاز من تصرفات الشريف حسين ولتخفيف الحصار عن مكة وجدة من الملك عبد العزيز. كما نادى الحزب بقيام مؤتمر إسلامي دستوري يحكم الحجاز قبل تسليمها إلى الملك عبد العزيز, ومن أهم الزعامات لهذا الحزب محمد الطويل الذي كان رئيساً له ومحمد طاهر الدباغ أمين عام الحزب، وعضويته كل من: قاسم زينل وعبد الله علي رضا زينل وصالح شطا وسليمان قابل ومحمد نصيف.

كما ظهرت في الستينيات تنظيمات من الفكر القومي الناصري خصوصاً عندما تطور الخلاف بين الملك فيصل وجمال عبد الناصر فنشأت عدة تنظيمات منها اتحاد شعب الجزيرة العربية وحركة الأمراء الأحرار بقيادة الأمير طلال بن عبد العزيز والذي تحدث هو عنها في برنامج شاهد على العصر في قناة الجزيرة.

أما الفكر الإسلامي فقد انتقل على يد الإخوان المسلمين الذين أحاطهم الملك فيصل بكل عناية خلال خلافه مع جمال عبد الناصر وأسسوا مع الملك فيصل منظمة المؤتمر الإسلامي لتكون منافسة لجامعة الدول العربية وأن تتبنى الفكر الإسلامي بدلاً من الفكر القومي العربي الذي تنادي به الجامعة العربية. ومن أبرز هؤلاء محمد الصواف من العراق وعبد الله العقيل من الكويت وعبد الفتاح أبو غدة وسعيد حوى من سوريا ومناع القطان ومحمد قطب وتوفيق الشاوي وعدد كبير من الإخوان من مصر بالإضافة الى أبو الأعلى المودودي من باكستان.

وقد ساهم هؤلاء خلال السبعينيات في تأسيس فكر إسلامي سعودي من خلال وجودهم في الجامعات السعودية وتبنيهم لطلاب أصبحوا اليوم أعمدة الفكر الإسلامي في السعودية.