المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد عبد المنعم السيد Headshot

كيف تصنع ديكتاتوراً؟

تم النشر: تم التحديث:

مَن قال إن العرب فاشلون ولا يصنعون شيئاً؟
العرب هم أول من صنعوا الديكتاتورية، وأقاموا أصناماً لها من العجوة للطغاة والمستبدين، وهم من أخرجوا المرضى النفسيين من جحورهم؛ ليكونوا قادة وزعماء، إما باسم الوطن وإما باسم الدين، وحتى العرب أنفسهم مصابون بالشيزوفرينيا.

يدينون بالإسلام وهو دين الرحمة والعدل والتسامح والكرامة، ويرون أنفسهم فوق كل الناس، وأنهم وحدهم الجديرون بدخول الجنة، وهم الفقهاء في الدين، وهم العلماء في كل مناحي الحياة.

يستغلون حاجات الناس ليلبوا حاجتهم هم فقط، ويُنصبون الديكتاتور ويُطيعونه، ويحللون بذاءاته، ولا يعترفون بخطاياه، ويصفقون لكلماته الفارغة، ويعتبرون أحاديثه باباً من أبواب البلاغة، ويُجملون صورته، ويلتفون حوله لإبعاد عامة الشعب عنه، ويصرخون لصراخه ويعتبرونها فصاحة.

وإذا حاولت إفهامهم أنهم يصنعون وحشاً أو ديكتاتوراً، وأنه سوف يتجبَّر عليهم كما يتجبَّر على شعبه إن عاجلاً أو آجلاً، وأن الله لا يحب المنافقين ولا ينصر الطغاة المستبدين، وأن السبيل لدخول الجنة هو المجاهرة بالحق، والوقوف في وجه الظالم وأعوانه وبطانته، فلن تجد منهم مَن يستمع لكلامك أو يهتم بنصائحك؛ لأن الله ختم على قلوبهم بسبب أطماع الدنيا التي ملأت بطونهم وعقولهم، فصاروا ينظرون إلى الحاكم على أنه الإله المخلص، فهو رجل الأمن الأول مانع الفوضى، صمام الأمان الذي يحميهم بداية من اللصوص وقطاع الطرق وحتى الحروب مع الأعداء الخارجيين!

فضلاً عن صناعة خطب التمجيد والشكر والدعاء له بالعمر المديد، والعقل الرشيد، والصحة الوافرة والتوفيق الدائم؛ لأنه هو ومن بعده الطوفان.

هؤلاء الحمقى الجبناء يصلون لله شكراً؛ لأنه هداهم إليه فلا أحد خير منه، ولا أحد يعرف ما يعرفه هو، فيضعون صوره في كل مكان في الأزقة والشوارع والمؤسسات، في المستشفيات والمدارس وكذلك على الطوابع البريدية واللوحات الإعلانية، فيتولد لهؤلاء المتعبدين بهذا الصنم شعور أنه يراهم في كل حين ويعرف ما يدور في مجالسهم.

وطبعاً لا يمكن أن ننسى دور الإعلام، الذي هو العمود الفقري لأي مستبد أو ديكتاتور، فتجد الإعلام لا هَمّ له إلا وصف الزعيم بالفخامة والعظمة، وأنه الراعي والحامي والضامن وبتوجيهاته السامية يحدث كل شيء، فهو النابغة والعلامة والمبدع والملهم والعبقري الذي يفهم في التعليم والسياسة والاقتصاد والثقافة والأخلاق والأمن!

يُحكى أن شعباً مات رئيسه وكان طاغية عاش معزولاً ومتسلطاً، لدرجة أن شعبه لم يصدق أنه مات، وخير مثال على ذلك الرئيس الراحل حافظ الأسد، فقد كان يتحكم في كل شيء، وهو الآمر الناهي الحاكم بأمره، يضع القوانين ويغيرها ويخالفها إذا أراد، يأمر بالديمقراطية التي يعرفها، ألا وهي حرية أن يفعل ما يشاء على أن يستجيب الشعب لكل رغباته المجنونة والمكبوتة، بحكم أنه زعيم عبقري يُوحى له، والديمقراطية بالنسبة له هي أن يقرر أي قدر من الحرية يحتاج الشعب، يُغير هو ما يشاء ولا شيء يتغير إلا إذا شاء، ويتصور دائماً أنه وحده الذي يمتلك الحنكة والإدارة السياسية اللازمين للحكم، وأنه هدية ثمينة منحها الله لشعبه، يجب أن يصلي ليشكره من أجلها.

في رواية الروائي الكولومبي الأشهر جابرييل ماركيز "خريف البطريرك"، يتحدث فيها عن الديكتاتورية ويُخلدها وفي نفس الوقت يقدم أوجه الشبه أو العوامل المشتركة بين الديكتاتوريات، فالديكتاتور ما هو إلا شيء فوق البشر، وكل همه انتظام ضربات قلبه، وبغض النظر عما إذا كان عقله قد توقف منذ زمن، أو فقد قدرته على التفكير والتدبير.

وخلف مظاهر العظمة التي يعيشها في القصور الفاخرة، يبدو كائناً مذعوراً خائفاً، تزداد عزلته، ويزداد حذره، ويبدأ مع طول الوقت في البحث عن طريقة لإبقائه حياً للأبد، بصرف النظر عن الخراب الذي يتسبب فيه مجرد استمراره في الحكم، ويحرص على اختيار أهل الثقة وإبعاد أهل الخبرة، وفى كثير من الأحيان يكون الفساد والرشوة شروطاً مهمة يضعها في المرشح لمساعدته لإتمام السيطرة، وتسهيل التخلص منه عند اللزوم.

ولو تطرقنا لمثال صارخ على أشهر الديكتاتوريين العرب، فيمكن اعتبار (معمر القذافي)، ونظامه، أحد أبرز وأسوأ هذه الأمثلة (العجائب) لدرجة جعلت القذافي أضحوكة الممارسة السياسية في الفترة المعاصرة؛ حيث استمرت هذه الأضحوكة (المهزلة السياسية) لأكثر من أربعة عقود، واستماتت للبقاء لمدة أطول، ولو على أشلاء الشعب الليبي المنكوب بهذا الرجل، وعائلته، والمحيطين به، الذين يمثلون واحداً من أغرب وأعجب وأخطر الأنظمة السياسية، في العصر الحديث.

ويعتبر نظام القذافي وصمة في جبين الممارسة السياسية العربية لدرجة أنه صار أضحوكة القرنين العشرين والواحد والعشرين السياسية، وليت الأمر اقتصر على الضحك والسخرية، ولم يصل إلى درجة النكبة، التي نزلت بالشعب الليبي من جراء تسلط نظام القذافي عليه، والأمة العربية والإسلامية التي نكبت هي أيضاً بهذا القائد الثوري الذي خلع على نفسه ألقاباً مضحكة كثيرة، منها (عميد الحكام العرب)، و(ملك ملوك إفريقيا)، وما إلى ذلك من صفات لا يستحي من التشدق بها، وادعائها، أمام وسائل الإعلام العربية والعالمية؛ بل ويتوج هذا الفسق بارتداء ملابس غريبة عجيبة من حين لآخر.

يكفي أن أفكاراً تافهة كان يطرحها في كتب يؤلفها، كانت تُناقش من قِبل أكاديميين مأجورين، بصفتها من الأعمال الأدبية العالمية التي يجب منح كاتبها (القذافي) جائزة نوبل في الآداب!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.