المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد عبد العزيز القاضي Headshot

الهجمة على المؤسسات الإنسانية القطرية.. لماذا؟

تم النشر: تم التحديث:

في وسط تسونامي العمل السياسي تختفي معالم كثير من الحقائق، فيصبح الباطل حقاً والحق باطلاً، وتنقلب الموازين، فترجح كفة التجبر والقوة والبطش على كفة الإنسانية المجردة من الأغراض الدنيئة، وقتها يتحول العمل الإنساني إرهاباً، والإرهاب عملاً إنسانياً.

هذه هي قاعدة العدوان على العمل الإنساني القطري، فبعد أن بلغت مكانة قطر الثالثة عالمياً في تمويل نشاطات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، وتصدرت النشاط الإنساني من حيث النفقات التي بلغت 4 مليارات ريال قطري سنوياً، علاوة على سرعة الاستجابة وكفاءة التنفيذ والحيادية والشفافية والقبول العالمي، بدأت من وقتها سهام السياسة تستهدف هذا العمل الإنساني المميز.

لكن لماذا هذه الهجمة على العمل الإنساني القطري ومؤسساته الكبرى: قطر الخيرية، وعيد الخيرية، وراف الإنسانية، وكل الشخصيات المؤثرة دولياً في هذا المجال؟ وما الدافع وراءها؟

نجيب على هذا التساؤل في عدة نقاط توضح الصورة كلياً، ولا تستوعب تفاصيلها الدقيقة.

أولاً: اكتسبت قطر قوتها الدولية الفاعلة بسياستها القائمة على نشر السلام، وعدم التدخل في الصراعات كطرف، ودعم هذا ذراعاها المتميزتان (الإعلام والعمل الإنساني)، فاكتسبت قطر زخماً سياسياً وثقة لم تحظَ بها دول كبرى في المنطقة، ووصف تدخلها في كثير من الملفات الشائكة كملف "دارفور" مثلاً بالأمل لكل الأطراف المتنازعة، ولك أن تسمع بنفسك تصريحات متمردي دارفور وهم يعلنون ثقتهم التامة فيما تقرره قطر؛ لأنها طرف محايد، وفي ذات الوقت يرفضون تدخل دول كبرى وهيئات أممية شكاً في حيادها.

هذا الأمر هدد بالفعل خططاً دولية وسياسات إقليمية لدول قامت بدور المستثمر على أشلاء النزاعات -تحت سمع وبصر الدول الكبرى- تماماً كما فعل النظام المصري من توريد السلاح لرواندا وبورندي، وتأجيج الصراع الدائر لتستمر زيادة أرصدة رجال الحرب في بنوك سويسرا، وعلى منواله مع متمردي دارفور، وجنوب السودان، والصراع اليمني وغيرها، وما أُخفي كان أعظم.

فكان من الطبيعي التصدي للعمل الإنساني؛ لأنه يحول دون تدفق مليارات الدولارات لجيوب وأرصدة العسكر، ويقيض نفوذ تجارة الحرب ويهددها بالبوار.


ثانياً: التزام قطر بمعايير الشفافية الدولية في تحويل وصرف أموال العمل الإنساني -على عكس ما يشاع- يجعل منظمات الأمم المتحدة تطالب الدول الأخرى التي تعمل في نفس المجال بالتزام ذات المعايير، واستُبعدت دول من نشاطات إنسانية لهذا السبب، فعندما يتبين قيادة رجال مخابرات لنشاط إنساني كما حدث في غزة، بهدف الإضرار بالمنكوبين، تفقد هذه الدول قيمتها بالمقارنة بمنظمات قطر التي نالت قبولاً من كافة الأطراف المتصارعة لحياديتها، بل إن قطر بالتعاون مع "الأوتشا" ومؤسسة "راف" الإنسانية القطرية، قامت بتدريب 91 منظمة محلية ودولية على الشفافية طبقاً لمعايير الأمم المتحدة.

هذا جعل الدول المُسيسة للعمل الإنساني تسعى للقضاء على العمل الإنساني القطري؛ لعدم القدرة على الالتزام بالمعايير الدولية، أو المنافسة تحت شعار: " فيها أو أخفيها".

ثالثاً: وصول كوادر قطرية لصدارة المنظمات الأممية وقبولها وفاعليتها أحرج هذه الدول، التي رغم حجم دخلها وكثرة أعدادها فأدوارها مشبوهة، وقيادتها في الخارج ممسوخة وغير قادرة على التصرف في أبسط المواقف لطبيعة العمل الإداري المركزي الشديد، بل تحولها من سفراء ودبلوماسيين إلى عملاء ومشبوهين، ولك أن تتصور حجم الفساد الذي أحدثته أموال الإمارات عن طريق سفيرها في العمل السياسي والأكاديمي داخل أميركا نفسها، وعمم ذلك النموذج إن شئت بصورة أوسع في دول أضعف قوة وأقل فساداً من الولايات المتحدة الأميركية.

ولعل هذا الذي جعل دولة كالصومال تمتنع عن الوقوف مع "محور الشر" ضد قطر؛ لما تعلمه من أن الوجود القطري على أرضها يعني السلام والتنمية، وأن ملايين الدولارات من "محور الشر" تعني مليارات الخسائر والدماء، والمزيد من التمزق في ربوعها.

رابعاً: تحقيق العمل الإنساني القطري معدلاً من الفائض في العمل الاجتماعي داخل قطر وللدول المحيطة، مما فضح الفساد داخل بعض دول الجوار، وكشف تقصيرهم تجاه شعوبهم، ففي الوقت الذي نرى فيه توجه المحتاجين بأوراقهم وما يثبت حاجتهم لقطر في رحلات سياحة إنسانية، شملت: العلاج داخل المستشفيات الدولية القطرية مجاناً، والمساعدات المختلفة في التعليم، وقضاء الديون وكفالات الأيتام، بعد أن طردتهم دولهم من على أبواب مؤسساتها الاجتماعية، فأصبحت قطر تشكل خطراً على الأنظمة المهملة في حق شعوبها، وبدلاً من دعم هذه الجهود ومقابلتها بجانب من فهم طبيعة الأشقاء وتقدير أياديهم البيضاء، فكروا في قطع هذه الأيادي حتى تحول بينها وبين المساكين من شعوبهم.

خامساً: نمو وازدهار المجتمع القطري وتطور خدماته حتى أصبحت قطر ونظمها وخدماتها تضاهي أعظم دول العالم، وحصلت قطر على المركز الأول في السلام الاجتماعي في الشرق الأوسط، وأبسط الأمور المشاهدة أن ترى السيارات والبيوت مفتحة دون أن يمسها أحد، أو يفكر في سرقتها، واختفت تقريباً كل مظاهر الجريمة أو الخلاف والتنازع، على حين عاشت هذه الدول براكين الظلم والغضب والتمييز الطائفي والاجتماعي، ونمواً في الجريمة.

وبدلاً من الاقتداء بسياسات قطر لإحلال الأمن والسلام الاجتماعي المجتمعي، سعت لتهديدها، ووصلت لحد تحريض الجاليات على العبث بأمن قطر، والتهديد العلني بإحداث تفجيرات وترويع النموذج الآمن في منطقة أهلكتها الصراعات.

سادساً: قوة الاقتصاد القطري التي أتبعتها قوة العمل الخيري، فاستمدت المؤسسات الإنسانية قوتها من قوة النمو الاقتصادي، ولم تنفق قطر أموالها في إحداث انقلابات أو دعم أنظمة مستبدة وفاسدة، أو تستورد ثقافات غريبة وشاذة، طورت منظومتها الإنسانية القيمة، حتى أطلق عليها "قطر الخير والعطاء".

الأمر الذي جعل الدول المنافسة تحاول تعطيل انطلاقة قطر الاقتصادية، والحيلولة دون وصولها المتوقع لمعدل نمو 3,3% باعتمادها على صندوق استثمارات سيادي ضخم وثروتها من الغاز الطبيعي، مقارنة بما تشهده الدول العربية المصدرة للنفط حالياً، من واقع اقتصادي مغاير في مستويات النشاط الاقتصادي، وأوضاعها المالية العامة، وتوقع انخفاض نسبي لمعدل النمو الاقتصادي، يصل بها إلى 2.8% أو أقل، طبقاً لرأي كثير من المؤسسات الاقتصادية العالمية.

فتحركت هذه الدول للضغط على قطر محاولة لتوريطها في صراعات تستنزف مواردها، أو الحصول على أموال ومساعدات في صورة إجبارية على هيئة "تعويضات" أو اختيارية تحت مسمى "مِنَح".

سابعاً: شكل النظام القطري بكليته ومؤسساته بتفصيلها وخاصة "الإعلامية والإنسانية" نموذجاً للنجاح للأنظمة الوطنية، وهو ما يفضح أنظمة باتت كـ"البندقية للإيجار" ومثالاً "للعمالة".

فسعت لتقويض المخالف لما استقرت عليه المنطقة دولياً، من كونها دولاً ذات سيادة ظاهرية ولا تمت لشعوبها بصلة، ومنعزلة عن نسيج مجتمعها، تتهددها دولة مؤسسات ملكية ناجحة فاضحة لغيرها حتى في حال صمتها؛ إذ أصبح المواطن العربي يقارن حال دولته وتعليمها ونظم رعايتها الصحية واقتصادها بقطر، وبدلاً من احتذاء النجاح في أساليب الحكم والعمل الإنساني، سعت لتخريبه وحصاره.

ما ذكرته هو عين حقيقة الخلاف بين الأنظمة الأربعة ومؤسسات قطر الإنسانية، الذي سيترك أثراً كبيراً على العمل الإنساني العالمي بتقويضه وخروجه عن المصداقية والحيادية (في حال الاستجابة لحصاره)، فوجب على المؤسسات الدولية الوقوف بحزم تجاه استهداف قطر ومنظماتها الإنسانية، حفاظاً على المبادئ والقيم، وإلا على الإنسانية السلام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.