المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد عبد العزيز القاضي Headshot

الأمثال الشعبية المصرية وترسيخها لثقافة الاستبداد

تم النشر: تم التحديث:

كنت دائماً أتساءل: ما الذي يدعو قومي الطيبين للاستكانة للظلم والاستبداد السياسي على مر العصور؟ وما الدافع وراء رضاهم غير المبرر بكم الضنك الحياتي المتكرر؟ وما سبب تصدّي بعضهم لما كاد أن يخلصهم من الطبقية والاستعباد؟

ووسط دوامة التساؤلات تتوارد مئات الإجابات، وكلها تلحّ على بحث المكون الاجتماعي والثقافي للشعب المصري، الذي عانى -وما زال- يعاني من ديكتاتورية ثقافية سلطوية.

غيّرت أنماط حياته، وجارت على طباعه العربية الأصيلة وقيمه الإسلامية السامية، وبنائه القيمي المتجذر، بدءاً من المدارس النظامية، ونظام التعليم المتخلف، وإعلام موجه، وسيف على الرقاب مسلط، وسجون تجمع كل حر وتفرق كل قيمة عليا.

ومن أطراف ألسنة الناس تعرف تلك الثقافة المهترئة والجهل المطبق لأمثالنا الشعبية التي تبرر الذل والاستعباد من جيل إلى جيل.

هذا الموروث الثقافي الذي لا يناقشه أحد ما هو إلا جزء من خلطة المخدرات التي ترسخ لثقافة الاستبداد.

وبتطوافة سريعة لما كنت أسمعه وأحفظه من الأمثال الشعبية التي تمثل شبه مسلّمات وجدت العديد من التأصيلات لثقافة الاستبداد منها:

تأصيل ثقافة الخوف

فتجد مثلاً التأصيل لثقافة الجبن وعدم مواجهة الباطل بأمثال عديدة، مثل: "من خاف سلم"، فيظنون أن الخوف يسلم الناس من شر الظلم، وهم لا يدرون أن الظلم لا يسيطر إلا على الخائفين، وقولهم: "حكم القوي على الضعيف"، وكأن هذا القوي قوته مطلقة ومطلوب من الضعيف أن يظل ضعيفاً، فلا يتصدى له أحد ولا يقوى له، وقولهم "سلطان غشوم أحسن من فتنة تدوم"، وهم لا يعلمون أن الفتنة لا تدوم إلا بالسلطان الغشوم، الغريب أن مثل هذا اللفظ يترجمه بعض أدعياء السلفية في مواجهة كل من أراد الثورة وتغيير هذا الظلم بقولهم: "هذا يريد أن يحدث فتنة"، وكأن الفتنة لا يوصم بها إلا الثائرون ضد الظلم، أما الظلمة والفجرة فحكمهم عدل واستقرار ظلمهم فرض.

تأصيل ثقافة النفاق

وفي تأصيل ثقافة النفاق ومطاوعة الظلم تضرب الأمثال المصرية السبق في تقريراتها فتجد نماذج منها عديدة: كقولهم: "لو رحت بلد ووجدتهم يعبدون العِجل حِش وأكله"، يعني طاوعهم ولا تخالفهم، وكن منهم، وهذا قمة النفاق في حد ذاته، فالمخالفة لما استقر عليه الناس من باطل في أذهانهم لا يخرج عليها أبداً حتى ولو كانت كفراً.

ويقولون أيضاً: "لو كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي"، وهذا أمر قميء للغاية أن ينافق الإنسان الكلب لحاجته ويسيده، وهو ما اجتمعت عليه الأوصاف والنعت بـ"كلب"، كإقرار وتسليم لنماذج من المستبدين، خاصة في تعاملاتهم اليومية، الذين هم في الحقيقة كالكلاب المسعورة يقضمون كل من يقابلهم، ولأن ثقافة المثل الشعبي تؤثر السلامة الُمرجفة لا بد أن تسيده بدلاً من التصدي له.

ومن تلك الأمثال: "ارقص للقرد في زمانه" وهو مثل عجيب في تقريره للاستبداد ممثلاً من حكم حتى لو قرد أرقص له ليرضى عنك، ولهذا لا تستغرب من انتشار ثقافة النفاق الوظيفي أو السياسي المبنية على "الراقصين للمسؤولين"، فيصلون بهذا الرقص إلى أعلى المناصب، ويعتلون بباطلهم على أهل الحق الأكفاء.

تأصيل الخنوع

والخنوع والاستكانة لمنظومة الظلم والاستبداد لها نصيب كبير في الأمثال الشعبية المصرية، منها: "إن جاءك الغصب اعمله جودة"، وهو أن تظهر رضاك بما غصبت عليه، دون حتى أن تتألم، وهو نوع من الخنوع الممقوت والتسليم حتى في المشاعر، وقولهم: "ضربوا الأعور على عينه.. قال خسرانة خسرانة"، فهو حتى لا يتألم ولا يعترض على الضرب بحجة أن عينه معيبة فما ضرها الضرب، وهذا نوع من الاستسلام والخنوع المبالغ وتبرير للظلم، ومن ذلك قولهم: "إن جاك الطوفان ارم ابنك تحت رجليك"، وهذا المثل يقتل كل معاني الشهامة والنجدة في الإنسان حتى تجاه فلذة كبده، وهو مبالغة في عدم التصدي للباطل، وطلباً للفردية النفعية، وتصل درجة الخنوع والرضا بالذل لدرجة أن المثل يقر الدياثة، مثل قولهم: "قالوا يا جحا الفاحشة في دارك.. قال طالما بعيدة عني خلاص"، وكأن داره وعرضه مستباح لا يمت له بصلة.

تأصيل ثقافة القهر

وتأصيل ثقافة القهر في المثل الشعبي المصري أمره عجيب، وله وجاهة في أن الظالم عظيم الشأن يجب أن تكون من جنده حتى تتمتع بالحياة، ومن ذلك قولهم: "الذي لا يرضى بحكم موسى يرضى بحكم فرعون"، فيطالب المثل الشعب بالرضا بفرعون بحجة أنه لم يرضَ بموسى.

والحقيقة أن رضا الشعب آخر شيء في ثقافة الحكام المستبدين لمصر، ولكن التهمة هنا كأنها في أننا نعيب حكامنا والعيب فينا، وما لحكامنا عيب سوانا، ويلعب الإعلام دور كبير في تحقير الشعب، وإظهار أنه هو الذي لا يرضى بشيء، ويسير خلف هذا السراب مجموعة من المدجنين دينياً، فيحاولون دائماً أن يؤوّلوا قول الله عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" على أن التغيير يبدأ بنا نحن فقط المحكومين، أم الحاكم كبير القوم فهو ليس من القوم، إنه من سلالة أخرى لا يشمله الخطاب يعني الجسد بلا رأس، ويدللون على ذلك بمثل "كما تكونوا يولى عليكم"، وهو مثل لا يقصد به التنبيه لضرورة الإصلاح، ولكن الانبطاح لواقع الفساد، ويبرره بعض من عمل في آلة الظلم، بقولهم: "الذي يأكل من عيش السلطان يضرب بسيفه"، وهذا المثل يستخدمه دائماً جلادو الظلمة وأدواتهم ويعللون ما يفعلونه بقولهم: "أنا عبد المأمور" ولو تتبعت الآمِر لوجدته إبليس.

تأصيل ثقافة ذهب السلطان

ذهب السلطان له بريق والوصول له لا بد أن يكون بأي طريق، فيقولون: "إن فاتك الميري تمرغ في ترابه"، والميري هو العسكري أو الحكومي أو التابع للحاكم، وعليك أن تسعى له حتى ولو تمرغت في ترابه ذلاً، ويعتبرون الميري ومناصبه ظهراً يستند إليه بعد أن فشت ثقافة المحسوبية، فيقولون: "الذي له ظهر لا يضرب على بطنه"، وعليه تتسابق جموع من الناس للحاق بركب السلطة، والتوظيف في مؤسساتها، ومن هنا يأتي الارتباط بها في الدفاع عنها.

ما سقته شيء من التوارد على الذهن، وليس بحثاً تفصيلياً، وما زالت الحاجة ماسة من أهل التخصص، لمعرفة طبائع الاستبداد وأسسه في المجتمع.

فالمستبد كما يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد: يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً، وعلى الرَّعية أنْ تكون كالخيل إنْ خُدِمَت خَدمتْ، وإنْ ضُرِبت شَرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصّيد كلِّه، خلافاً للكلاب التي لا فرق عندها أَطُعِمت أو حُرِمت حتَّى من العظام. نعم، على الرّعية أن تعرف مقامها: هل خُلِقت خادمة لحاكمها، تطيعه إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟ والرَّعية العاقلة تقيَّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزّمام، وإنْ صال ربطتْه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.