المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد عبد العزيز القاضي Headshot

أهازيج الحرية في سيارة الترحيلات

تم النشر: تم التحديث:

(لي فيكِ يا سيارة الترحيلات ذكرا.. كم دمعت عين فيكِ! وكم قيِل فيكِ ذكرا.. يا طواغيت الأرض صبراً صبراً.. هل بعد السجن إلا حتماً نصرا؟).

تلك أهزوجة من أهازيج الحرية تتردد في سيارة الترحيلات القميئة، التي باتت علامة من علامات القهر السياسي المعاصر، لبلد يتفاخر قادته وقواده بأنه مذكور في القرآن، ونسوا أنه البلد الوحيد الذي ذكر فيه السجن مخصوصاً بذلك في القرآن، متفرداً بظلم نبي وتجبر حاكم وإقرار قضاء فاسد.

واختصت سيارة الترحيلات في مصر (المسجونة) كرمز وأسلوب لقهر المعارضين السياسيين.
وسجلت حادثة مقتل 37 مسجوناً سياساً حرقاً في "سيارة ترحيلات أبو زعبل"، بعد أربعة أيام من مذبحة رابعة، نقطة فارقة في تاريخ الاستبداد، لم يمر عام عليها إلا ووثقت عدسات سينما مهرجان (كان) السينمائي فيلماً يؤرخ لها.

فمثلت بذلك دوراً متفرداً، لم تحظَ بمثله أي سيارة لترحيل المساجين بأي دولة، مما يعد إنجازاً معاصراً في عالم القهر.

وزادت أهمية سيارة الترحيلات السياسية، بصفتها تحتل مكانة متبادلة بين السلطتين (القضائية والتنفيذية) عبر مراحل التنكيل بالخصوم.

وتفننت السلطات المصرية في تجهيز هذه السيارات وحمايتها بحيث تزيد المسجونين قهراً فوق قهر، بداية من جسم صلب على سيارات نقل قوية طليت باللون الأزرق القاتم الكئيب، ومقعدين حديدين طوليين يمنة ويسرة نادراً ما تجدهما، وتهوية عبر فتحات صغيرة علوية محصنة بالسلك والأعمدة الصلبة.

في البداية كان المساجين المرحّلون يجتهدون في قطع السلك ليلقوا من خلال الفتحات ورقيات للمارين بجانب السيارة، فيها أرقام تليفونات أهلهم، ليخبروهم أنهم تم ترحيلهم من مكان لآخر، خاصة أن ذلك يحدث فجأة وسراً غالباً، لكن السلطات المصرية أمعنت في القهر وسدت هذه الفتحات بالكامل، وحصنت الباب الخلفي للسيارة بباب إضافي، فأصبحت السيارة من الداخل عديمة التهوية، مما يؤدي في الغالب إلى اختناق المساجين.

وأثناء الترحيل من مكان إلى آخر يمنع السجين من قضاء حاجته أو الحصول على طعام أو شرب الماء، وتخيل ترحيل سجين لثماني أو عشر ساعات في سيارة متحركة وسط اختناق وحرارة الأجساد ورائحة النشادر الناتجة عن قضاء الحاجة داخل السيارة ماذا سيؤدي؟ غير حالات من الموت أو المرض والإنهاك المتعمد.

أما صعود المساجين السياسيين ونزولهم من سيارة الترحيلات فهو مأساة أخرى؛ إذ يضرب المساجين ضرباً مبرحاً أثناء صعودهم، وعند وصولهم للسجن يضربون ضرباً أبرح فيما يسمى (حفل استقبال).

وتتم مراسم هذا الحفل الدموي بخلع السجين كل ملابسه عدا (القطعة الوسطى من ملابسه الداخلية) وتغمى عينه ثم تبدأ مراسم الحفل باصطفاف جنود السجن صفين، يضرب السجين خلال رحلته بداية من نزوله من السيارة بكل أنواع الضرب (العصي - خلفية السلاح الخشبية - كرابيج - بالأقدام والأرجل - قطع الحديد) لدرجة تصل إلى الموت.

مع الحرص على إذلال السجين بجعله يسمي نفسه اسم راقصة مشهورة (وهم كثر)، أو جعله يحبو على قدميه ويصدر أصوات الحيوانات.

بعدها يتم تسكين السجين المرحّل في السجن، أو يدخل زنزانة (الوارد) لحين يفسح له مكان.

ولأهمية سيارات الترحيلات، فقد وُضع لها إدارة مختصة في وزارة الداخلية المصرية، تتضمن آلاف السيارات، وآلاف من العساكر والضباط المختصين بالترحيل.

ويتم اختيار مسؤولي الترحيلات من أشد الضباط غلظة وأقلهم فهما وإنسانية وذلك حتى يذوق المساجين السياسيون صنوف من العذاب على أيديهم، وألا يتعاطفوا مع أي مسجون ولو كان في سكرات الموت.

ولا تراعي سيارات الترحيلات حاجات المساجين سواء كانوا مرضى أو معاقين أو صغاراً أو كباراً أو رجالاً أو نساء، ولك أن تشاهد سجيناً قعيداً وزملاءه يحملونه ليضعوه فيها أو مريضاً لا تقيمه قدماه ملقى في أرض السيارة دون مراعاة لسن أو حالة إنسانية.

ويصحب سيارات الترحيلات قوة لا مثيل لها في الانتباه والتسليح حتى على الحدود، فيتقدم السيارة ويتأخرها قوة من مكافحة الإرهاب يلبسون زيهم الأسود وستراتهم الواقية من الرصاص، وفي حال توقف السيارة لأي سبب كالتزود بالوقود أو تعطلها أو انتظارها، تحيط القوة بالسيارة فيما يسمى (كردون) حتى لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها؛ لذلك لم يسجل تاريخ مصر عملية هروب واحدة من سيارة الترحيلات لأي سجين سياسي، حتى الجماعات الجهادية لم يسجل لها خطة واحدة لاستنقاذ مسجونين فيها لصعوبة هذا التصور.

وهكذا سجلت سيارة الترحيلات نفسها كأداة من أدوات القهر التي يستخدمها النظام المصري منذ قيام ثورة يوليو/تموز 1952، والتي استحدثها النظام الناصري لجمع معارضيه وشحنهم إلى السجون.

لكنها عاشت عصرها الذهبي في عهد مبارك وما استحدثه من سجون العقارب (شديدة الحراسة)، للقضاء على خصومه السياسيين من التيار الإسلامي.

أما بعد انقلاب 30 يونيو/حزيران 2013 فقد كان بداية العصر الدموي، فتحولت من أداة قهر إلى أداة قتل، وزاد البطش وتعدى إلى الضرب بالرصاص للمساجين داخلها، دون ردع أو تحقيق يذكر، ومع وجود منظومة متكاملة من الفساد السياسي، يُبرأ كل قاتل من هذه التهم.

وسط هذه الغيوم الدموية يحمل المساجين المرحلين أهازيجهم يتسلون بها أثناء ترحيلهم، والتي كلما زادت أو استمرت أثناء الترحيل كان نصيبها مزيداً من التعذيب في محطات الوصول.

وغالب هذه الأهازيج أشعار وهتافات من أشهرها قصيدة مطلعها: في سبيل الله نمضي.. نبتغي رفع اللواء، فليعد للدين مجده.. وليعد للدين عزه.. ولترق منّا الدماء.. ولترق منا الدماء.. عزمنا عزم الأباة.. لا نبالي بالطغاة.

وبعض هذه الأهازيج ألقيت أثناء المحاكمات منها قصيدة رويدك أم خالد التي ألفها الدكتور توفيق علوان أثناء قضية الجهاد المعروفة عام 1981، أهداها لأم خالد الإسلامبولي ومن أبياتها:

رويدك أم خالد علمينا.. إباء المجد ثم وخبرينا، وهزي في موات الذل إنا.. كرهنا الذل كأس الخاضعينا.. تعالي أم خالد وانظرينا.. فما بلغت سياطهم مراداً وما هزت سجونهم ثباتاً.. ولن تقتل مشانقهم يقينا، رويدك أم خالد ما دونينا.. وإن ملأوا السجون معذبينا.. إلخ.

وتحمل أهازيج سيارة الترحيلات لوناً من ألوان الأدب الحماسي تارة أو هتافات ضد السلطة تارة أخرى، أو تكسوها الأحزان، أو لا تجد لها صوتاً البتة مع أصوات المتألمين أو المرضى أو المعذبين المرحلين.

وينظر عامة الشعب إلى أصحاب الأهازيج في سيارة الترحيلات من السياسيين بنظرة عاطفية في الغالب، فتدمع أعين البعض أو يرددها البعض، وفي حال توقف السيارة تجد امرأة من عامة الشعب، أو أهالي المرحلين، يسارعون ويحضرون الطعام والماء للمسجونين، وقد لا يكون في بيتهم غيره أو في جيبهم ثمنه، لا يبالون بردها من قبل قوات الحراسات، ويلهج لسانهم بالدعاء بأن يفرج الله كربهم، ولو دون سابق معرفة لهم.

تحفر هذه الذكريات تاريخها في عقول المضطهدين والمظلومين، في صفحات غير مطوية من الظلم والاستعباد والرعب، ويزول الألم وينقضي، لكن كلمات الأهازيج تتردد في جنبات العقول، أو تتهادى بين صفحات المذكرات، أو تتناقل بين أسمار أصحابها.

لتمثل أهازيج الحرية نوعاً من المقاومة السلمية المستمرة مع أداة من أدوات الظلم والاستبداد المعاصر في مصر يطلقون عليها "سيارة الترحيلات".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.