المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خالد عبد العزيز القاضي Headshot

كشف اللثام في الاتفاق بين أحجية داعش وأحجية النظام

تم النشر: تم التحديث:

وكم ذا بمصر من المضحكات *** ولكنه ضحك كالبكا

هذا البيت من الشعر هو أول ما خطر إلى ذهني بمجرد الانتهاء من قراءة "سر الأحجية المصرية"، ذلك الإصدار الداعشي الجديد الذي حمل الرقم 3 لمؤلفه الهرماسي.

فتكاد الأفكار التي طرحها المنظر الداعشي تتفق تماماً مع ما يطرحه نظام 30 يونيو/حزيران، بل وبنفس الأسلوب، مع الخلاف في الأهداف.

ورغم ما تناوله المحللون من وصف للوثيقة على أن فيها كشفاً للمخططات والاستراتيجيات والتكتيكات.. إلخ، فإنها في نظري تناولت الطرح بسطحية، وغفلت عن نقاط الاتفاق بين النظام والدواعش في الطرح، التي سأسردها باختصار.

أولاً: حملت الوثيقة تعظيماً كبيراً لدور مصر، وأنها هي رمانة الميزان، وأن مفاتيح العالم كله واستقراره في مصر، ومنها سيبدأ التغيير، وهذا المفهوم هو نفسه ما يروج له النظام عربياً ودولياً وإعلامياً، بأن مصر أم الدنيا، وأن أهميتها وأهمية وجودها في يد نظام يخدم النظام العالمي هي مصدر الاستجداء والبلطجة أحياناً على الأنظمة المحيطة، وكلا الطرحين سجين الاستعلاء العرقي للجنس المصري الفريد من نوعه.

ثانياً: تطرح الوثيقة طريقاً واحداً للتغيير هو قوة السلاح والمجابهة العسكرية والقتل والبطش بالخصوم أياً كانوا تحت مسمى الجهاد، وهو نفس طرح النظام الذي جاء على ظهر الدبابة ويحسم كل خصوماته السياسية بالقتل والتصفية ولا سبيل لبسط السيطرة أو ممارسة العمل السياسي إلا تحت ظلال المدافع.

ثالثاً: ينظر الدواعش للشعب المصري على أنه مجرد نسب 7% نصارى، 10% صوفية، 10% جيش وشرطة، والباقي جماهير أتباع كل ناعق كان مسماها في السابق (شعب)، وهي نفس النظرة الاحتقارية التي ينظر بها النظام للشعب، ويتعامل معه على أساسها من خلال أجهزة إعلامه وسلطاته.

رابعاً: يتفق التنظيم من خلال عرضه في الوثيقة على وصف جماعة الإخوان المسلمين بالمرتدين في أكثر من موضع، مثل: (علماني الإخوان الذين حاربوا أصل الإيمان)، (النموذج الإخواني الفاشل المرتد)، وسبحان الله فإن النظام يمارس نفس الطريقة، بل ويزيد عليها في تصفية الجماعة وتكفيرها سياسياً في كل مناسبة بل وإلصاق أي فشل بها.

خامساً: تنظر الوثيقة لجماعة الإخوان على أنهم "يعيشون في غياهب الكربلائية المقيتة من جلد الذات والإحساس بالمظلومية الدائمة"، والعجيب أن هذا الوصف هو الوصف ذاته الذي تصفه أجهزة الإعلام لجماعة الإخوان، خاصة عندما تتكلم الجماعة عن حقوق شهداء رابعة أو النهضة أو المعتقلين.

سادساً: يعرض التنظيم فكرته في استحلال أموال الشعب، وينسب ذلك لأسامة بن لادن، ورغم وضوح هذه الكذبة وعدم وجود مرجعية أو سند لها، فإن نفس النظرة هي نظرة النظام لأموال الشعب، فقد استولى على أموال التأمينات والمعاشات، واستولى رجاله عملياً على ثروات البلاد وأخصها أكثر من 200 منجم ذهب لا يعرف لمواردها طريق غير جيوب النظام ورجاله، ولا فرق بين الاستحلال الشرعي والاستحلال السياسي الفعلي فكلاهما ينظر للشعب وثرواته على أنه إرث مستباح بصورة أو بأخرى.

سابعاً: يسعى التنظيم إلى زرع الوقيعة بين فئات الشعب من خلال استراتيجية تحقق الفوضى على المدى البعيد، وهذا ما يسعى له النظام الحالي الذي أوقف مشاريع تطوير الصعيد ومنطقة النوبة، ومكن النصارى في مصر من الاستيلاء على مساحات شاسعة ومنحهم امتيازات تفوق الوصف، وحرم أهل سيناء من حقوق المواطنة وهجرهم من ديارهم، فهل هذا الاتفاق في الهدف صدفة؟

ثامناً: النظرة لثورة 25 يناير/كانون الثاني على أنها مجرد انتفاضة لم تصل لمرحلة الثورة، وهذه النظرة هي نفس نظرة النظام الحالي من تحقير من شأن ثورة 25 يناير وأنها انتفاضة مغفلين.

تاسعاً:
تستهدف الجماعة الشباب بضمهم لفكرتها، وعمل خلايا تحقق أهدافها، وفي ذات الوقت يتجه النظام في مصر لعمل تنظيم شبابي تابع له أشبه بالتنظيم الطليعي في عهد عبد الناصر، وكلاهما يستهدف استئصال خصومه بتجنيد الشباب ليكونوا هم وقود الفتنة.

عاشراً: يبشر التنظيم مصر بالخراب كسوريا والعراق ويستخدم في ذلك النصوص الدينية، ونفس الشيء يقوم به النظام مستخدماً نصوصه السياسية، وكلاهما (داعش والنظام) يريد تبرير سيطرته على أطلال الخراب.

الحادي عشر: تعرض الوثيقة لحتمية الكفر بالديمقراطية ومبادئها لا من الناحية الشرعية مثلاً في ظل وجود بديل من نظام الشورى، ولكن من ناحية آلياتها، بل يندد بما فعله الإخوان من جر الحركات الإسلامية لهذه اللعبة، وهذا الطرح هو طرح النظام وأسلوبه في التنديد بالفترة التي كان للشعب فيها إرادة، ونفس الوصف لمن شاركوا في العملية الديمقراطية بعد الثورة.

ثاني عشر: تتفق الوثيقة الداعشية مع فلسفة السلطة بأن شيوخ السلطة كمحمد حسان وياسر برهامي وعمر خالد، هم أدوات لبسط النفوذ وليست قناعات بأيديولوجية، وأنهم ما هم إلا ألعوبة في يد النظام، وهذا الوصف هو ذاته وصف إعلام النظام لهم.

ثالث عشر: أقحمت الوثيقة نفسها في مسألة بناء المحطات النووية محللة ذلك تحليلاً ساذجاً إلى حد بعيد من جهة أنها أدوات تهديد ونوع من الهيمنة الغربية المفروضة على الأنظمة العميلة، ونفس هذه السطحية في الطرح يطرحها النظام المصري من أنها أداة نهضة وسبيل تقدم وخروج من مشكلة الطاقة، وتناسى الطرفان حجم العمولات والفساد من وراء مثل هذه المحطات.

رابع عشر: عرضت الوثيقة لتطفيش الاستثمارات الأجنبية باستهدافها، وهو نفس الهدف الذي تقوم به السلطة في مصر مع الاختلاف في تقدير النتيجة، فالأول يرى أن ذلك سبيل لإضعاف النظام، والثاني يرى أن ذلك قوة للنظام بتمكين الجيش من الاقتصاد والسيطرة على البلاد.

وبالرغم من وجود نقاط تصادم بين أهداف الدواعش وأهداف النظام، فإنها تذوب في وحدة النتائج، فما يحققه النظام من وراء داعش من مكاسب يفوق ما يتصوره البعض من خسائر، بل إن التجربة أثبتت أن النظام لا يقوى إلا في وجود صدام مع فريق مسلح لا يصل إلى المواجهة الشاملة، بل إن النظام يحصل على شرعيته ويطور أدواته ويلقى التأييد الدولي في ظل هذه المواجهات وتلك الأطروحات.

وفي نفس الوقت تخدم هذه الاستراتيجية أحلام جماعة "الأمة القبطية" التي تسيطر على الكنيسة المصرية في المسارعة بالانفصال عن مصر وتكوين دولة محمية دولياً.

ويبقى تساؤل أخير: هل صلف النظام وغلق باب الممارسة السياسية والحريات الدينية وتميز الطائفة القبطية النصرانية فوق القانون هو من صنع فكر الدواعش؟

وهل يعيد التاريخ نفسه؟ تماماً كما حدث في الجزائر من العشرينية السوداء، وظهور عنتر الزوابري ضابط المخابرات الذي قاد المذابح باسم الجماعة الإسلامية المسلحة، وبعد انقضاء الأمر والتمكين للنظام العسكري انكشف المستور وظهرت وثائق تؤكد أنها الحرب القذرة.

إن ظهور هذه الوثائق المتطرفة نظرياً وعملياً يصب في طريق واحد هو مَن صاحب المصلحة ومَن سيجني المكاسب؟ ولا يعقل أبداً أن تكون مجموعة من مئات الأفراد قادرة على نظام هي نفسها وصفته بأنه متجذر منذ عهد محمد علي.

ولا يملك الباحث والمدقق من الوجهة الشرعية أو السياسية أن يقول في النهاية متسائلاً: إلى أين نحن ذاهبون؟ وتكون الإجابة القاطعة ليس لها من دون الله كاشفة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.