المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خلدون شامي Headshot

أسماء "مثاليّة": ينسب المَرءُ الوازنُ لنفسه

تم النشر: تم التحديث:

(1)

يا تُرى، مِن أين يلتقط الآباء كل هذه "العزيمة" عندما يمنحون اسماً لطفل "جديد"؟!

القصة "مثالية" وقصيرة!

لم يكن يخجل من أن يذكر لزوجته وأولاده ثلاثة وأربعين عاماً لم يحقق فيها شيئاً مما كان يحلم به، لكنه رغم ذلك كان سعيداً جداً بأعظم إنجازاته.. إنه "خلّف.. ويلي خلّف ما مات".. وبولده البكر الذكر "نضـال".. متفائل حد من يكذب بالفطرة ويصدق كذباته.. يناديه القوم باسم طفل "أبو نضال"، ولا حرج، فهو وطفله بوزن واحد من الإنجازات عدا عداد الأعوام والسنين.

نضال في السادسة عشرة من عمره، لا ينقصه شيء " الحيوية"، ونشاط غير نافع، يقتلان وقته.

أمه تناديه "باشمهندس" وكذلك أبو نضال وأخوات نضال.. و"نضال" أعجبه النداء.. يريد أن يصبح مهندساً.. على الرغم من أنه لا يحب مسائل الرياضيات ولا الكيمياء وبالطبع ولا الفيزياء إلى جانب حصة "العربي"، خاصة درس الإعراب والقواعد فهو لا يطيقها، يحب أكثر منها درس التاريخ وشكل الخريطة.. غير أن أحداً لم ينتبه لذلك ولا حتى هو ذاته.. "بالفطرة".

بعد كل إكليل وزفاف.. العبارة المكررة حد الاستهبال.. "عقبالك نضال.. لما نشوفك عريس!".

كان يشعر بنمنمة دافئة في صدره.. تخطر "سلمى" وتلوح أمام عينيه.. شرفتها تقابل شرفته.. يلمحها ليلاً عندما تستعد للنوم من خلف ستار حجرتها، وفي الصباح في الطريق للمدرسة، وعندما يفتح لها الباب مع أمها في زيارتهم لأم نضال.. وكان "يطير من الفرح" (التعبير مكرر ومستهلك، يفضل استبداله بـ"يطير من الكبت") عندما يلمس يدها أو تتبسم له من بعيد.

يسمع باستمرار من خاله (الطيار) عن أسفاره وتجواله.. أحب منه السفر وزيارة المدن.. ومشهد جبال خضراء تختلط ببحر أزرق (صوره ذهنية مكررة ولا جديد فيها، ويفضل حذفها).

أمام شاشة الـ"تي في" كان نضال ينقلب (رغم أن كل أحواله منقلبة عقباً على عقب، وجعجعة بلا طحين).. صور هدم ونزوح وغرق، قصف وقتل جماعي.. إسرائيل (تذكر هنا إشباعاً لنظرية المؤامرة وإضفاءً للروح الوطنية والقومية على الكاتب) وأكثر منها أنظمة شمولية هنا "وفقط هنا"، لم يتركوا شيئاً.

يغضب.. يرغب.. يحلم بصنع "شيء ما" لينعم أحياء قبل فنائهم وأطفال بسلام "ما".

انتهى حفل الزفاف.. أم نضال سلمت "نضال" لعروسه "فداء" (ابنة عمه أبو "جهاد") وسط "فرحة" أهل وأصدقاء.

نضال أنهى دراسته الجامعية كما هو متعارف عليه.. كان قد درس الجيولوجيا، ولكنه لم يجد نفسه فيها فانتقل لـ"مجال" آخر.

يعمل اليوم مدرساً للغة العربية في مدرسة حكومية نائية.. غاية حلمه مع "فداء" أن يحصل على نقل لمدرسة أقرب أو فرصة للعمل في (خليج) يتبعونه بلفظ "عربي" فقط في مدارس المنطقة العربية، تلك التي يسكنها أصلاء كثر غير عرب.. يسمع أن "الرواتب" والمولات هناك أوسع استهلاكاً وأكثر طوابقاً.

نضال اليوم لا يزال "يقتل" وقته بين المدرسة والمنزل، وفي أحاديث غير مترابطة ولا موضوعية ولا ذاتيه يسميها "نقاشاً" وأحيانا "حواراً"، أمام الـ"تي في" بالساعات لا يزال يتابع برامج السياحة والطبيعة، برامج "دينية" و"لاهوت" إلزامي عملا لـ"آخرته"، وليجد "نصاً مقدساً" من هنا أو هنا يبرر به تصرفاً "ما"، ومسلسلات مصورة في إسطنبول وبيروت.. حتى الآن لم يسافر أبعد من المدينة التي تقع فيها مدرسته.. حتى البحر لم يتعرّ أمامه مرة واحدة في حياته!

البرامج الإخبارية جزء عضوي في اكتئابه.. لم يخطر بباله حتى اللحظة أي خاطر يمكنه من التقاط شيء من رغباته رغم أن آثار كل الأخبار أصبحت أقرب إليه مما يتصور.

نضال ينتظر هذه الأيام "خبراً سعيداً" سيسميه على اسم أبيه "ناصر".

"ناصر" لا ينقصه شيء.. "الحيوية" ونشاط غير نافع يقتلان وقته، وأمه تناديه من الآن "باش مهندس"!

يا تُرى، من أين يلتقط الآباء كل هذه "العزيمة " عندما يمنحون اسماً لأبنائهم؟ أم أنهم "مبكراً" ينتزعون منها معانيها، شيئاً فشيئاً، ويوماً بعد يوم؛ ليصبح التشابه والتكرار "بقدّه وقديده وغبائه" سيد الحضور "والغياب"!

يبدو أن على عشاق إطلاق الأسماء والأحوال المتشابه، وعلى مَن لا يجدون في أسمائهم شيئاً منهم، أن يستعيدوا ثانياً صالح: "بلا ما نسميه.. باتت كل الأسامي"، والأوقع أن يستعيدوا فيروز: "غيروا أساميكن إزا فيكن... واهربوا"!

الثبات ليس "فضيلة" دائماً.. والموروث ليس فضيلة أبداً!

(2)

وعيت والدي مصرفياً، بعد عقد أو يزيد، قرر العودة لاختصاصه، تربوياً مهتماً بالأدب العربي.. لكنه بين "البيزنس" واللغة، بيروت ودمشق اختار لي اسماً بعيداً عنها جميعاً!

لم يحضر في نفسي رابط بين إشادة والدي بنظريات العمران، وبين "الاسم" الذي منحني، ولم أكن حينها لأهتم بمقدمة التونسي "عبد الرحمن".. حتى إني كنت أستحسن أسماء أخرى في طفولتي لو كانت لي.

في ذاتي حضر علم الاجتماع مبكراً مع الفضاء العام، الاهتمام بحركة وركود المجتمع، الطبقات المنحوتة والمعصومة، البيئات، الأيديولوجيا والبناء الاجتماعي..
مع ذلك بقيت غير مدرك لما تركه فيّ أبي عند النشوء!

في مراجعات الذات بعيداً عن دوران المجموع وجذبه.. عند ناحية من "المتوسط" لا تنتمي لصخب المدن، هناك وحيداً.. التقيت اسمي وجهاً لوجه!
سرتني ملامحه، سمعته لأول مرة: "أنا في مساحة الذات.. أقرب مما تظن وتصنف"!
هناك فقط، أحببت أبي فوق ما أحببت.. واخترت اسمي.. وربما اخترت معه أبي!
أزحتُهما من مساحة ذهول العمل العام والتعريف.

يومها اتخذت موقفين: قربت اسمي لمساحة الذات، وقررت الخروج من خناق "الشأن" العام!

"من اسمه نصيب".. نصيب من أسمائنا.. ام نصيب لأسمائنا منا!

سخيفة هي البساطة و"التواضع" في شأن عضوي!
ينسب المرء "الوازن" لنفسه.. ولنفسه فقط ينسب كل وازن.. وفيكن تغيروا أساميكن.. "واهربوا"!

مع الاعتذار ووافر "الحرية" لأصحاب الأسماء الواردة سابقاً؛ لذا اقتضى التنويه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.