المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خلدون شامي Headshot

العقل الشُّمولي: لا تُصدق شُمولياً! محاولة تفكيك (2)

تم النشر: تم التحديث:

(1)
"المقدس"، سلاح يحافظ على بريقه وأدائه لنجاة الشموليين في الفضاء العام، في الفشل وقصور الأداء، وفي الإطاحة بالخصوم. نجاة تسيء إلى الزمني والمقدس معاً. يمنحون الآخر كل مبرر لرفض نموذجهم.

الشموليون يتقنون الاتهامية العارية، يلعبون الإقصاء، وحرق واغتيال الشخصية. عند المسؤولية يفزعون إلى حملات العلاقات العامة سيئة السمعة. وهم مسكونون بـ"المنكر"، لا يعرفون المعروف ولا يحفظون المودة، بعقلٍ أداتيٍّ مجرد ولا أمان لهم. في أفضل حالات حسن الظن، مصابون بـ"ألزهايمر".

عزمي بشارة (مفكر قومي فلسطيني): "المحافظون الجدد، من ليس معي فهو ضدي. المحافظون العرب الجدد، من ليس معي فهو خائن، عميل، كافر ومموّل ويتحمل كل ما يجري".

الشموليون يروجون تفسيراتهم باعتبارها قطعية، أما الديمقراطية فمتغير. عندما تُصعّدهم الانتخابات تصبح نتائج الديمقراطية وإجراءاتها مقدسة وتفسيراتهم كذلك.

عزت بيغوفيتش (مفكر وسياسي يوغسولافي): "الديكتاتورية غير أخلاقية حتى عندما تمنع حراماً، والديمقراطية أخلاقية حتى عندما تسمح به. الأخلاق لا تنفصل عن الحرية".

(2)
ظل التثقيف الداخلي مهمة رئيسة للحركات الشمولية يساراً ويميناً، والخضوع للتثقيف "الساكن" والرؤى الهابطة من "أعلى" الميزة الأهم للمريدين الأعضاء. مع الخطاب الديني تحول التثقيف لسلطة "تربية" المجتمع وأفراده، بعقل "القاضي"، قطعياته وصلاحياته كذلك، وبكلمة مسموعة في أوساط المريدين والمجتمع طالما ارتبطت تلك الممارسات بأدوات الطبقة المعصومة وخطابها.

ولضمان تمكين العقل الأداتي في المريدين، يستخدم "المقدس" لحجب كل مختلف بشيطنته وفرض العزلة. الشموليون في صفوفهم محاور، مصالح و"شبيحة" أيضاً، يمارس داخلها التجريح واغتيال الأشخاص والتصفية المنظمة لصالح طبقة.

رحيل غرايبة (مفكر وسياسي أردني): "الإسلاميون يمتهنون اغتيال الشخصية وإبعاد الرأي المخالف والطعن بالأعراض".

(3)
إضفاء صفة "الشاملة" على علوم اللاهوت والشريعة يضفي استعلاءً للنمط الشخصي، وقطعية على آراء شخصية وسطحية لدارسي تلك العلوم، تتجسد فيهم شخصية "القاضي" فاقد الأهلية، مهمته محاكمة الأفراد وتربيتهم.

دارسو اللاهوت والشريعة يفسدون كل اختصاص يقتحمونه، يجعلون منه قالباً جامداً مفصلاً على قياساتهم ويسقطون عليه ما لا يلزم. عملانياً، ربما تكون أسوأ نتائج الانتقال بين الاختصاصات هو انتقالهم إلى ممارسة السياسة والإعلام والإدارة.

(4)
الذين شغلوا أنفسهم ومقدرات الشرق بنشر كلمة الرب، مستخدمين إرهاب الفكر وتضييق التعبير واختلاف الرأي والحريات باسم "الفضيلة" ومحاربة "الفسوق"، وطّنوا من حيث "يعلمون" شذوذاً من نوع خاص هو أدهى؛ شذوذ العقل الشمولي، الذي إن حل لا يستثني رفاق الشمولية. وكلٌّ يصنع "أصنامه" ويأكلها، تمرها وحجارتها.

(5)
الإسلام السياسي رسخ في الذهن الجمعي عصمة لخطاب ديني، وطبقة تمتهن الانتفاع من قداسة اللاهوت والديانة، مظاهر ومؤسسات عامة ودعاة لكل عصر. وكلٌّ يصنع أصنامه ويأكلها، تمرها وحجارتها.

لكن بخلاف كل أيديولوجيا، الإسلام السياسي يزهو بـ"المحنة" حد النشوة. فرصته الأغلى التي تقرب محاوره من التكوينية التثقيفية "والتصوف". أما الأهم، فهي أن تلك "المحنة" تقلب صفحة أخطاء القيادة وخطايا الطبقة المعصومة وتبدلها "كرامات"!

(6)
يبدو أن "إسلاماً" ما أعلن رفض الطبقية، لكن إسلاماً "شمولياً" في القرن الأخير صنع في مجتمع راكد "طبقةً" هي "المشايخ"، تتقدم بـ"النص" وشكليات، "قضاة لا دعاة". لينزوي، أخيراً، أفراد منعزلون إلى "اليسار"، أولئك أدركوا طبيعة أزمتهم الداخلية مع الطبقة المعصومة، حاولوا تقديم حالة مختلفة وعقلانية من الاهتمام بالاختصاص "الزمني"، بعيداً عن الاعتمادية على "المقدس".

(7)
التراشق الأخير في الشرق الأوسط بين ليبراليين عرب وإسلاميين حول تجربة الأداء، تراشق خارج السياق، الكل كان جزءاً عضوياً من الخيبة، رافداً ومستفيداً من كيانات رجعية وأنظمة شمولية. في الشرق، يتخفى العقل الاجتماعي تحت الأيديولوجيا، كل المرجعيات التاريخية شمولية وإقصائية وتحالفت مع الاستبداد، وهي جزء عضوي من المشكلة.

(8)
المحاكم، والأمن والحس الأمني، مصطلحات لا عمق لها أو دلالة في الشرق. هي أدوات شمولية تطلق في بيئات ملعونة، يستخدمها أولئك المصابون بالرهاب والبرانويا، تطلق للتصفية والقمع والاغتيال المشروع، لصالح "الثالوث المقدس: السلطة، الثروة، والاعتبار".

الشموليون بأدوات واحدة، وإن اختلفت مظاهرهم، يتحالفون، لكنهم لا يطيقون قوة غاشمة سواهم. مصابون بشَبَق الفتك بالآخر وبالمجتمع بحجة الشفقة عليه، تهذيبه، تربيته، الوصاية عليه، أو إصلاحه.

الناطقون باسم السماء والناطقون باسم الأمن، ضرائر في ساح وحلفاء في ألف. ولن تجد لعنة أقسى من خراب الناطقين بلسان السماء إلا تلك التي تصنعها العسكرتاريا والناطقون باسم الأمن. تلك التي يتمدد جنونها وسطوتها، تصنع حروباً على ضعفاء، معها تتحول البلدان إلى كيانات باغية تمارس الإرهاب القانوني باسم مقدس جديد.

(9)
أيها الشموليون، تابعوا مهمتكم المقدسة لكن من غير استغباءِ مَن تبقى، ولا تخافوا؛ الدم لا ينتصر على السيف، لم يحدث هذا ولا لمرة واحدة. اطمئنوا، مهمتكم دائماً مشروعة و"مقدسة"، فالحقيقة للأقوى والحكمة لمن على قيد حياة.

أما الشمولي برداء دين، فمستبدٌّ فاقد الأهلية والذائقة، في أوسع ثوب ينعم بالامتياز والقداسة والمبرر، يختزل الكل في صاحب العصمة، في ركوده وخطيئته، وفي بيئات الركود والجهل سيبقى منتصراً مستفيداً من بقية حمقى!

ولشرور الشمولية بذور، وكلهم يفسد الحياة العامة، رجال الدين (الناطقون بالمقدس) والعسكر ورجال المال والأعمال.
والشمولية ضربان: شمولية قذرة، وشمولية ساذجة.. كلاهما مهلك.

"لا تصدق شمولياً ولو استجلب كل التاريخ؛ فهو صنيعته، ولو تعلق بكل المطلقات فهذه لعبته"، لا أَفلح وإن صدق.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.