المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خديجة صبرى العوده Headshot

أم لستة أطفال فقدت زوجها لخمسة أشهر.. هل تعرف أين وجدته؟

تم النشر: تم التحديث:

ماذا لو أن أجَلَك قد جاء؟ وأُسدلت النهاية لكن هذه النهاية غير معلومة، فأنت رحلت ولا يَعرف أحد إلى أين انتهى عملك، لم يعد يسمع صوتك، لا تُرى بين الناس، ولم يعد لك هناك من أي أثر، بل إنها حرقة وغصة في قلوب الأهل حينما يمر عليهم السؤال كزيت يزيد نار الشوق والحيرة لهيباً، أين أنت؟ فليس باستطاعتهم الإجابة، إلى أين رحلت، سواء إن رحلت في هذه الدنيا أو رحلت تماماً عنها، فلم يعد هناك أي شيء مؤكد، فأنت في الحقيقة مفقود.

اصطحبتني واحدة من معارفي إلى أم لستة أطفال لاستماع قصة زوجها الذي ظل مفقوداً لأكثر من خمسة أشهر منذ مجزرة رابعة العدوية، فأخبرتني أن زوجها كان خياطاً يعمل بأحد مراكز الخياطة بالقرب من ميدان رابعة العدوية، وفي يوم قرر المرور بذلك الاعتصام القائم هناك؛ ليتفقد بنفسه من هؤلاء الناس ماذا يفعلون، وما الذي يريدونه، ثم عاد ليخبرها أنه رأى هؤلاء الناس يصلون ويقرأون القرآن يدعون ويبتهلون إلى الله، أخبرها عن شعوره الذي لم يعايشه من قبل صدق ونقاء وسعي إلى الله، لم أشعر بالارتياح في قلبي هكذا من قبل، ربما كمثل لو أنني بالحرم المكي هكذا أخبرها، وهكذا ظل يتردد كثيراً على الاعتصام، ثم أردفت كان رجلاً عادياً لا يهتم بشيء قدر إعالة عائلته، وقضاء احتياجاتهم، لكنه تعلق كثيراً بالميدان وبأهله، حتى إنه ما عاد يذهب إلى عمله لكي يبقى هناك إلى أطول وقت ممكن، وفي يوم إذ هو يجلس في الميدان طارت عليه سجادة صلاة لا يعلم من أين جاءت، فظل يسأل الناس هل هي لأحد؟ لكن الكل أجاب بالنفي، فصحبته تلك السجادة طول أيامه في الميدان يصلي، ويذكر الله عليها، حتى عاد ليلاً قبل بدء فض الميدان، ومعه تلك السجادة، فجاء صباح ذلك اليوم الدامي، وحينما سمع عن أن ذلك الاعتصام يتم فضّه من قِبل قوات الشرطة والجيش المصرية حتى ارتدى ثيابه مسرعاً وهب لنجدتهم، وتقديم أي عون كان في إمكانه، لكنه تلك المرة رحل دون عودة.

تقول منذ ذلك الحين ظللت أبحث عنه لأكثر من خمسة أشهر أبحث عن أي معلومة، عن أي خبر أسأل في المستشفيات في السجون والأقسام، حتى إنني ذهبت لأكثر من مشرحة للبحث عنه بين الجثث المكومة في كل مكان لم أترك وسيلة قد توصلني لأية معلومة عنه إلا واستخدمتها، لكن دون فائدة، فالكل ينفي وجوده، لقد اختفى.

كانت روحي تصعد في اليوم ألف مرة، فليس بإمكاني معرفة هل ما زال على قيد الحياة، وإن كان حياً فعلاً، فلِمَ لا يريدون إخباري أين هو، أو إن كان قد رحل إلى الأبد، فأين جثمانه لِمَ لا يتركوني أراه للمرة الأخيرة، أصبحت تقتلني الحيرة، وتتكالب عليَّ كل آلام الدنيا وحدي حتى إنني وصلت إلى أن تمنيت أن أسمع عنه أي خبر، ولو كان خبراً بالموت، فأستطيع حينها أن أدعو له في صلاتي أن يرحمه الله ويتقبله، ولا أسبقها بلو كان.

وقد كان اتصل بها أحد العاملين بالمشرحة ليخبرها أن عينة الـ"دي إن. إيه"، التي تركتها تطابق عينة إحدى الجثث، وأن عليها أن تأتي لتسلُّمه تقول لم أكن أعلم أن وقع الخبر سيكون مؤلماً إلى هذا الحد، ذهبت أنا وأخ لزوجي إلى المشرحة، وما زال الذهول يسيطر عليَّ، وحزن قاتل يختلج قلبي، لكن تلك المرة تمنيت لو تفنى فكرة الموت وتُكذب ولا يكون هو، طلبوا مني الدخول إلى غرفة الموتى للتأكد منه، فدخلت بالفعل، ورغم أنني مررت بالكثير من الجثامين قبل فإنني ما إن وجدت بالداخل لأرى الجثث في كل مكان حتى انهرت فلم أستطع أن أكمل لأصل إليه، شعرت بوجوده، وهالتني رؤيته في هذه الحالة، جثة هامدة رحلت عنها الروح، وما عاد لها من فواق، أطلق عليه رصاصة مباشرة في الرأس من منطقة قريبة جداً، ذلك كان تقرير المشرحة.

تذكرت حينها أن أحد السجون أخبرني بوجوده فيه، لكنه عاد بعدها لينفي ذلك، فكرت أن لو كان قد قتل في رابعة لما أخفوا جثمانه طوال تلك المدة، أم أنهم اعتقلوه ثم أردوه قتيلاً، لكن من الذي سيجيبني ويحقق في الأمر؟ قاتلوه؟!

نعم.. لقد قُضي الأمر، وعرفت مكانه، لكنه كان مكانه الأخير والأبدي، فيا ليتني ما عرفت، كنت بقيت أعيش على أمل العودة يداعب خيالي طرقه لباب البيت من جديد، ورجوعه، وابتسامته وصوته فأضمه ضمة الرجوع، لكن لن أستطيع حتى أن أتخيل ذلك بعد الآن، فستهاجم ذاكرتي حينها ضمة الوداع الأخير.

صمتت لتقع عينها على تلك السجادة، ثم اعتلتها ابتسامة هادئة وقالت وكأنها اختارته تلك السجادة من بين كل الناس؛ لتحمل له يوم القيامة صلواته ودعواته، فبقيت لتشهد له وتُذكرنا به، فتبكيه وتبكي عليه وتلعن قاتليه.

فأوَّاه من قلوب تبيت ليلها تتمنى أن يلفحها نار اليقين ولو بالموت، ولقد يعزيها أمل باللقاء، أغلقت مفكرتي على هذا السطر الذي كنت قد كتبته بتاريخ يعود لأكثر من سنتين لأعيد تفاصيل ما لا يُنسى من تلك القصة التي تتشابه حتى يومنا هذا مع مئات القصص، فما زال هناك الكثير من المفقودين منذ مجزرة رابعة العدوية وما تلاها من أحداث، وما زال هناك الكثير من الأهالي يتجرعون مرارة الفقد والإخفاء القسري والنهاية المجهولة بإسدال أجل عليهم غير كل ذي أجل، فهو أجل غير معلوم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.