المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خديجة الخاوة Headshot

مشاعر سمّوها الحب

تم النشر: تم التحديث:

حائرة أمام ورقة بيضاء وقلم، جاهدة بكل مخزوناتي الحرفية وأسلوبي المبعثر، أنتظر لحظة إلهام أترجم فيها أفكاري لحروف ومعانٍ.

أنظر من نافذة عريضة للنّاس، كل واحد ووجهته، هناك من ذاهب ليدرس، وهناك من ذاهب للعمل، والبعض الآخر ينتظر من اليوم سبباً أو ربما دافعاً ليبدأ يومه.

أما أنا، فكانت بداية يومي منعشة، برغيف ساخن من تحضير أمي، بعدها خرجت تمشيت تحت سماء ملبدة بالغيوم وهواء بارد، إنه الخريف على الأبواب، أجواء قدوم فصل الخريف بالنسبة لي لطيفة نوعاً ما، فبعدما أتعبنا الحر شهوراً متتالية يأتي هو بنسيمه الدافئ؛ ليطبطب على أرواحنا ويُشعرنا بشيء من الطمأنينة، أو ربما هكذا أريد أن أحس وأنا مقبلة على أن أمنح قلمي الجرأة ليخط عن موضوع يتعلق بالحب، من منظور بعيد كل البعد عن أنني عاشقة، أو حتى لي موقف منه، أو أي شيء من هذا القبيل.

لقد اختلفت التعريفات والمحاولات التي تصب كلها نحو مقصود واحد "الحب"، كما هو معروف عند العامة بأنه مشاعر قلبية تتطور اتجاه شخص معين، نابعة من رغبة صادقة عمودها قوي وثابت، لكن ما بين الأمس واليوم اختلف جوهر هذه المشاعر، وأخذت منحى مغايراً تماماً، تنوعت مسمياته وغاياته، وداخل هذا الطرح فقد معناه وبدأت مصداقيته تتلاشى شيئاً فشيئاً.

حتى وصلنا لحب القرن الواحد والعشرين، جملة وراءها الكثير من علامات الاستفهام، زمن تطورت أبجدياته وأولوياته، فأصبح فيه وسيلة أكثر ما هو غاية، وسيلة مختصرة لتسهيل ما تحت النوايا، وطريقاً سريعاً للحصول على متعة مجانية وإشباع للعاطفة الجارفة لكلى الجنسين، وبين هذا وذاك مرحلة تنتهي فيها مشاعر سمّوها الحب بانتهاء المصالح والرغبات.

لن نستطيع النفي أن عولمة حياتنا لها من السلبيات كما لها من الإيجابيات، حب الأفلام الهندية والتركية ودخولها إلى شاشتنا الصغيرة، حرفت مفهومه وأدخلت الناس في متاهات عدة دفع ثمنها شعورٌ قدس في عهد رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- ما حاجتنا للبحث؟ ونحن نملك سيرة عطرة عن ماهية الحب الصادق والحقيقي، حب النبي لزوجاته وتعامله معهن، ووفائه للسيدة خديجة، حبه لأمنا عائشة والقائمة طويلة... أين نحن من كل هذا؟ حتى أصبحنا لا نعير انتباهاً لهذه القصص الصارخة بحب لم ولن يكون له مثيل على أرض تتذكر قيس وليلى أكثر من محمد وخديجة.

الحب لا يقودنا للخطيئة، وللتظاهر والكذب، كما أنه ليس تلك الحالة العابرة الناتجة عن تحرك بسيط في الهرمونات، بل هو الذي نجده في عيون عجوز في الستين لزوجها المقعد مع ابتسامة عريضة، وهكذا بدون كلل ولا ملل، هو الذي حدثتني عنه جدتي -رحمها الله- ذات مرة، وكيف أنها كلما تذكرت جدي أطلقت تنهيدة طويلة ودعت له بالرحمة، وقالت: يا رب أحسن له كما أحسن لي في الدنيا، هو الذي أراه في عيون أمي لأبي بعد سنين طويلة من الزواج، هو الذي جعل ذاك الشاب يطرق باب الفتاة التي أحبها، لا لجمال مبهر فيها أو لقوامها الممشوق أو حتى لطريقة لباسها، بل لعمقها والجوهر الذي سيظل متوهجاً طول العمر فيها، هي من أحبت عيوبه وحولتها محاسن، فكما قالوا: تكمن معجزة الحب في عشق العيوب، لا في الماديات والثانويات.

هو نفسه الرزق الذي تنهض من فراشك كل صباح شاكراً المولى عنه، الحب الذي سخره رب الحب لك، لكن حتماً ليس هو تلك المشاعر التي سميتموها حباً، والتي أضحت كلمة فارغة من عمقها الذي يميزها.

هل يوجد الحب؟

هذا السؤال الذي ما يلبث يطرح من طرف العديد، كل شخص يجيب، هناك إجابات منطقية، وهناك إجابات تحكمها التجارب التي خاضها الأشخاص في حياتهم، والعجيب في الأمر أن الحب في هذا الجانب يبقى محكوماً بنجاح أو فشل التجربة، يوجد في شقها الأول ولا يوجد أبداً في الشق الثاني.

الإجابة ليست كما يظن البعض، في أسطر ما يكتب نزار قباني، أو أحلام مستغانمي، هي أشعار تعبر عن ذاتيتهم واحتمالية صوابها تتعلق بهم، لكن الاحتمال الأدق هنا أن الجواب يوجد في كتب السيرة النبوية، تلك الحياة التي لن تعاد، تلك المشاعر التي لن يكررها الزمن، ذاك الصدق والوفاء الذي اختزله رسولنا الكريم في كل دقيقة له في الحياة.

كما نؤمن وحيث لا جدال أن نعم الله تعالى علينا رزق، فالحب كذلك رزق، عطاء منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حبه للسيدة خديجة: "إني رزقت حُبها".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.