المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خديجة المداح Headshot

النضال الكساب

تم النشر: تم التحديث:

المكان: مدينة جرسيف، إعدادية 11 يناير/كانون الثاني، الزمان: عام 2005، وبالضبط في حصة اللغة العربية، نادتني أستاذتي باسمي خديجة المداح، قومي إلى السبورة، لكن قبل ذلك، قولي لي أهو مدح كساب أم غير كساب؟ نظرت إليها، وقلت: لم أفهم، ابتسمت وقالت لي: كان في قديم الزمان رجال ونساء امتهنوا كتابة الشعر، فيمدحون الحكام من أجل كسب المال، فسمي هذا النوع من الشعر بالمدح الكساب، والآن يا خديجة أهو مدح كساب؟ أجبتها بكل ثقة طبعاً غير كساب.

وبعد مرور 11 سنة، ها أنا ذا أستاذتي أتعرف على نوع آخر من الكسب، وهو النضال الكساب، نعم النضال الكساب هو ظاهرة أصبحت متفشية في عصرنا الحالي، فالرجل والمرأة على السواء يناضلان من أجل قضية أو شخص معين، ليس نصرة للشخص ولا للقضية، وإنما لكسب المال والمناصب، فهو مثل المدح الكساب، فقط قديماً كان شعراء يمدحون الأمراء، والآن المناضلون يعاتبون أصحاب القرار.

ولتكون مناضلاً كساباً يجب عليك فقط أن تختار قضية ما لتناضل من أجلها، ويجب أن تختار هذه القضية بعناية فائقة؛ لأنه كلما كانت القضية حساسة جداً كبرت مغانمها، بعد ذلك احفظ بعض الخطب الصماء التي تحرك المشاعر، ولا تنسَ أن تسجل حضورك في الملتقيات والندوات التي لها علاقة بقضية نضالك، وكم هو جميل أن تأخذ صوراً تذكارية مع أصحاب القضية وتنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

كما أنه يجب عليك أن لا تفوت فرصة للظهور في وسائل الإعلام لتمارس النضال الكلامي الكساب طبعاً، وشيء آخر مهم لم أشِر إليه وهو الملابس، فكل قضية لها ملابس خاصة، فإن تحدثت عن حقوق المرأة كان عليك أن تتأنق بشكل مبالغ فيه، أما أن تتحدث عن قضايا سياسية فيجب عليك أن ترتدي زياً رسمياً، وجميل إن لبست نظارات طبية، ثم تتحدث بلغة مليئة بالمفاهيم السياسية، وكن واثقاً بنفسك كأنك تعرف كل شيء.

أما إن كانت قضية النضال لها علاقة بالدين، فعليك أن تمثل دور المتدين الورع، كلامه طيب يدخل السكينة على النفوس، ويجب أن تكون ملابسك شرعية إلى أقصى حد ممكن، وإن اخترت القضية الفلسطينية -قضية من لا قضية له- موضوعاً لنضالك، فمؤكد أنك سترتدي الكوفية، وستحفظ بعض أشعار محمود درويش، أما إن اخترت قضية وطنية فما عليك سوى أن تتغنى بالوطن وجميل إن حملت معك عَلَم الوطن.

فهذا هو النضال الكساب أستاذتي، أشخاص يمشون فوق جروح البائسين؛ ليستفيدوا هم، لا يهمهم إن طابت الجراح أو تعفنت أكثر، المهم أن يصلوا هم إلى مبتغاهم.

لكن بالمقابل هناك نضال غير كساب، وهو النضال الذي يقدر على أصحابه قسراً وليس اختياراً، هذا النضال هو نضال نسائنا في الجبال والقرى، نضال في البرد والحر في الصبح والليل، نضال من أجل الأكل والشرب والتعليم والصحة هو نضال من أجل الحياة.

النضال هو نضال الأطفال في القرى الذين يمشون عشرات الكيلومترات على أرجلهم الصغيرة في الشتاء وفي الشمس، من أجل الوصول إلى المدرسة.

النضال هو نضال الفلاحين والعمال، الذين يعملون في أجواء غير مناسبة، ويعانون من جشع المشغلين.

النضال هو نضال الأرامل اللواتي يشتغلن في البيوت أو شركات، أو يصنعن الحرشة والمسمن، يعملن بجد من أجل أن يوفرن لقمة العيش لأبنائهن.

النضال هو نضال الطالب الذي يتصارع مع النظام التعليمي، والسكن الجامعي، ومزاجية الأساتذة، وتماطل الإدارة، وإحباط المجتمع، وواقع البلد المرير، طالب يصارع كل هؤلاء ليأخذ شهادته ويلتحق بنضال البحث عن العمل الذي هو في الأصل حق من حقوقه المكفولة.

النضال أستاذتي هو شيء لا يقال ولا يصوّر ولا يوصف، هو شيء مكانه القلب، يولد الإنسان عليه ويتربى عليه، فيعيش حياته يمارسه من دون أن يعي أنه يناضل؛ لأن النضال أفعال، وليس ألقاباً أو كلاماً يقال في المؤتمرات المدفوعة التكاليف والمقامة في أفخم الفنادق، فالنضال هو أن تؤمن بشرعية المطالب، فتحارب من أجلها بكل شيء، ومن أجل لا شيء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.