المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خديجة المداح Headshot

رسالة إلى صديقي الناجح

تم النشر: تم التحديث:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد،
عزيزي (تي) التلميذ (ـة) الناجح في امتحان شهادة البكالوريا، ألف مبارك للنجاح، وعقبى للشهادة الكبيرة والوظيفة.

أنا سعيدة من أجلك وفخورة بك. وبهذه المناسبة، سأحكي لك قصة، هي عبارة عن مجموعة من الأحداث الواقعية لمجموعة من الأشخاص كانوا يوماً ما من بين الناجحين في امتحان نيل شهادة البكالوريا، وهم الآن طلبة أو موظفون، ومنهم من يقف بين صفة الطالب وصفة الموظف، ومنهم العاطل ومنهم من ودَّع الدنيا وارتحل إلى دار البقاء.

وفي هذه القصة، سأحاول أن أصور لك أكثر المشاهد الحزينة التي يمكن أن تواجهك بعد أن تفقد صفة تلميذ وتأخذ بدلاً منها صفة طالب.

أعرف أنك تتساءل: لماذا اخترت أن أحكي لك عن الحزن بدل الفرح في هذا اليوم السعيد؟! لأنه ببساطة يا صديقي (تي)، الحزن متجذر في الإنسان، يرافقنا في كل مواسم حياتنا، عكس الفرح الذي يغيب أكثر مما يحضر. وأيضاً؛ لأنه لا وجود للفرح من دون الحزن، كما أن الفرح لا يحتاج رفيقاً ليُعاش، أما الحزن فيحتاج أكثر من رفيق ليُعاش. وكما قال أجدادنا: "اسمع كلام اللي يبكيك وما تسمعش كلام اللي يضحكك".

كان يا مكان حتى كان الحبق والسوسان في حجر النبي العدنان حتى كان هناك تلميذ اسمه "حلم" من بلاد المغرب، بعد أن خاض حرباً دامية مع الدراسة لمدة 12 سنة، وخاض مواجهة مصيرية مع الامتحان الجهوي والامتحان الوطني- كُتب اسمه ضمن قائمة الناجحين في امتحان نيل شهادة البكالوريا.

وظن وهلةً أنه انتصر في الحرب، لكنه في الحقيقة فاز فقط بجولة من جولات المعركة. عاش "حلم" أسبوعاً مليئاً بالتهاني والتبريكات، والهدايا والحلويات، ليبدأ بعد ذلك في التخطيط لمستقبله، كان يقضي يومه في نسج أجمل الأحلام؛ ليختار في الآخر أحلاها ويعيشه في لا وعي. يتخيل كيف أنه سيجتاز امتحان القبول في الكلية التي اختارها وكيف سيكون أول يوم له في الكلية، ويتخيل الصداقات التي سيُنشئها وكيف أن السنين ستمر بسرعة وسيتخرّج ليلتحق بعمله الذي حلم به منذ الصغر، يتخيل الأماكن التي سيسافر لها ونوع الهدايا التي سيشتريها للأهل عند العودة.

حتى إنه تخيل الطريقة التي سيُبشر بها والديه بأنهما سيكونان من بين ضيوف الرحمن؛ فهو قد سجل لهم في قرعة الحج من دون أن يخبرهم. يتخيل دموع أمه وبسمة أبيه. ليحين بعد ذلك وقت التفكير في الارتباط بتوأم الروح وتأسيس أسرة سعيدة، هو يحلم بأن يكون له الكثير من الصبيان وبنت واحدة، يتخيلها أميرة بين أخوتها، يتخيلها ذات شعر أسود وعيون خضراء ولديها غمّازة على خدها الأيسر، ومع تحقيق هذا الحلم الأخير ستصبح الحياة بالنسبة له جنة على الأرض.

وما هي إلا أيام قليلة حتى وجد "حلم" نفسه ضمن لائحة الراسبين في امتحان القبول بالكلية التي اختارها، وبقي أمامه حل واحد وهو أن ينضم إلى الجامعة. وفي تلك اللحظة بالضبط، انهارت عليه كل أحلامه التي بناها، وجد نفسه مدفوناً تحتها لا يستطيع الحركة ولا حتى التنفس، حاول أن يطلب النجدة، لكن -للأسف- لا أحد يستطيع أن ينقذه سوى نفسه.

تحولت جنته الى جهنم، فارقه النوم وغابت عنه الراحة، حتى إنه دخل في حالة اكتئاب، وما يزيد الطين بلة هو تعليقات أقربائه ومعارفه ومقارنتهم له مع أبناء العائلة أو الجيران الذين قُبلوا في كلية الطب أو كلية الهندسة أو كلية التجارة والتسيير.. يجعلونه يصدق أنه حقاً وقع في مصيبة عظيمة أنهت حياته قبل أن تبدأ، مصيبة كتبت عليه الشقاء طول عمره. يجعلونه يعيش في وهم الفشل وأن لا فائدة ترجى من دراسته في الجامعة، أي إنه أصبح عالة على المجتمع.

يبتدئ الموسم الدراسي، ويصبح رغماً عنه طالباً جامعياً، يحاول أن يتأقلم مع الوضع بعدما قرأ الكثير من كتب التنمية الذاتية وشاهد محاضرات أهم رواد التنمية في العالم. حاول جاهداً أن يلملم انكساره ويحول خيبة أمله إلى طاقة إيجابية تدفع به للأمام. وقرر أن يحارب في معركته إلى آخر لحظة.

حصص غير منتظمة، غياب متكرر للأساتذة، تأخر دائم لبعض الطلبة عن موعد الحصة الدراسية، التكدس الطلابي داخل الفصول الدراسية، دروس مملة تعتمد على الحفظ أكثر من الفهم، أيام الامتحانات الطويلة، أسئلة الامتحانات البليدة، ظاهرة الغش في الامتحانات، النقط الهزيلة، الدورة الاستدراكية، أسلوب الإحباط الذي يعتمده أغلب الأساتذة مع طلابهم، الصراعات بين الفصائل الطلابية، كثرة المقاطعات، العطل الكثيرة، تعنت الإدارة، سوء أكل مطعم الكلية، غياب المرافق الترفيهية في الكلية، غياب الأنشطة الموازية في الكلية، ازدحام الحافلة التي تقلُّه للجامعة، بؤس السكن الجامعي. كل هذه العناصر جعلت من الجامعة جحيم "حلم" وزادت من كآبته.

ووسط كل هذا البأس، وجد "حلم" نفسه وحيداً، يعيش في عزلة لم يرغب فيها أو يخطط لها. يكتفي بحوارات بسيطة مع زملائه وابتسامات باردة، رغم أن هناك ضجيجاً كبيراً داخله يريد أن يسمعه للكل. ولديه الكثير من المخططات للاستمتاع بالوقت والكثير من الضحكات المؤجلة، حتى إنه يحفظ الكثير من النكت السخيفة.

عاش "حلم" عزلته التي رفعت من حدة كآبتك إلى أن عثر على أصدقائه الحمقى، أصدقائه الذين جعلوا من بسمته المصطنعة ضحكات وقهقهات تملا المدرجات وممرات الجامعة، ومن مشاريعه المؤجلة واقعاً، والأجمل أنهم كانوا رفاق الخيبة والضياع، رفاق الحلم والإصرار. وفي تلك اللحظة بالضبط، أصبح للجامعة طعم آخر بالنسبة لـ"حلم".

ومن حسن حظ "حلم" أنه قابل أستاذاً من الأساتذة الذين قال فيهم الشاعر أحمد شوقي "قُمْ للمعلّمِ وَفِّهِ التبجيلا *** كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا". أستاذه حاول بكل الطرق أن يشحنه بالطاقة الإيجابية، أن يصالحه مع ذاته ويعيد له ثقته بنفسه، أكد له أن الإنسان لا يصل إلى النجاح، دون أن يمر بمحطات التعب والفشل واليأس، وصاحب الإرادة القوية لا يطيل الوقوف في هذه المحطات.

جعله يدرك النقطة التي يقف فيها، وساعده أن يطرد وهْم الفشل ويتحرر من تعليقات الأهل والجيران. جعله يفهم أن الحياة تُعاش مرة واحدة، وأن أجمل لحظات حياته يعيشها الآن؛ لذلك وجب عليه أن يستغل كل دقيقة ويعيشها كما يتمنى، وأن السعادة لا توجد في امتلاك الشيء وإنما في الطريق إليه، وأنه يجب عليه أن يؤمن بالقدر خيره وشره، ويؤمن أيضاً بأن لا شيء مستحيل مع الإصرار والمثابرة. ففي هذه الحياة نكون أو لا نكون.

واستطاع الأستاذ أن يضع قطار "حلم" على السكة، والآن دور "حلم" في أن يعرف وجهته ويقود قطاره بحذر إلى أن يصل به إلى بر الأمان. وهذه حكايتي مشات مع الواد الواد وأنا بقيت مع الناس لجواد.

صديقي (تي) القوي، لا تحزن إن فشلت، حاول أن تقف على قدميك من جديد، كما يفعل الأطفال في أثناء تعلمهم المشي. فالفشل ليس نهاية المطاف، المهم ألا تُسلَب ثقتك. واعلم أن النجاح هو الانتقال من فشل إلى فشل، فقط لا تفقد الأمل، واعلم أن فشلك هو فرصة تتيح لك البدء من جديد على نحو أكثر ذكاء، لتصل مرتبة التميز.

صديقي (تي) الحالم، أوصيك بمواصلة الحلم والإصرار على تحقيقه، وكما يقول توني كيد بامبيرا: "الأحلام حقيقية أيها الأصدقاء، الفشل في تحقيقها هو الشيء الوحيد الزائف".

صديقتك الحالمة
خديجة

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.