المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خديجة المداح Headshot

تِقشبِيلة تِوليولا

تم النشر: تم التحديث:

(تِقشبِيلة تِوليولا.. ما قتلوني ما حياوني.. غير ذاك الكاس اللي عطاوني.. الحرامي ما يموتشي.. جات خبارو في الكوتشي..).

هي كلمات أغنية مغربية يرددها الأطفال عند اللعب، يتجمعون على شكل دائرة ويضعون أيديهم في أيدي بعض، ثم يبدأون في دوران، وهذه الأغنية أيضاً اشتهر بترديدها مجموعة من الفنانين الكوميديين المغاربة في عروضهم المسرحية، كما أنها أصبحت تستعمل كلازمة في أغاني الأعراس.

منذ صغري وأنا أسمعها، لكن أجهل تماماً معناها، مثلها مثل مجموعة من الأغاني التي حفظتها في صغري عن طريق السمع، والتي كانت محرماً عليّ ترديدها في البيت أو خارجه بقرار من أمي، بدعوى أنه لا يجب علينا أن نقول شيئاً لا نفهم معناه.

ومرت السنوات وكبرت وأنا ما زلت أجهل معنى هذه الأغنية إلى غاية السنة الماضية؛ حيث صادفت تدوينة لصديقة لي على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" تشرح فيها معنى هذه الأغنية، وبدا لي هذا الشرح منطقياً للغاية.

تقول صديقتي: إن هذه الأغنية لا علاقة لها نهائياً بطقوس الفرح والأعراس، بل الأمر يتعلق بمأساة يعود تاريخها إلى ما يقارب الخمسة قرون، فهي تعود إلى سقوط الأندلس، فالأغنية ألفها "الموريسكيون"، وهم سكان الأندلس، أثناء تهجيرهم من إسبانيا إلى المغرب، فالأغنية تتحدث بلسان الموريسكيين وهم يصفون مأساتهم ومعاناتهم خلال الطريق، بعد أن غادروا الديار مكرهين.

ويحكى أن سكان الأندلس كانوا يتحدثون لهجة تشبه لهجة سكان بلاد المغرب، وهي خليط بين الدارجة، والعربية، والأمازيغية، ولغات أخرى، وهو ما نجده في الأغنية.

تكشبيلة: ومعناها مدينة إشبيلية الإسبانية.

توليلولا: وتنطق في المغرب "توليو ليها" ومعناها سترجعون لها.

ما قتلوني ما حياوني: هو تعبير مجازي على شدة التعذيب الذي كان يتعرض له الموريسكيون من طرف الإسبان، فلا هم من الأحياء ولا هم من الأموات.

غير ذاك الكاس اللي عطاوني: هذه الجملة ترمز إلى نوع من أنواع التعذيب الذي مارسه الإسبان على الموريسكيين، وهو إرغامهم على شرب الخمر من أجل السماح لهم بالعبور إلى المغرب.

الحرامي ما يموتشي: والحرامي هنا يرمز به إلى الإسبان الذين عادوا ليطالبوا بالأندلس بعد ثمانية قرون من خروجهم منها.

جات أخبارو في الكوتشي: الكوتشي هي وسيلة نقل قديمة في المغرب وما زالت موجودة لحد الآن، وهي عبارة عن عربة يجرها حصان، وكانت هي

الوسيلة التي يستعملها ساعي البريد "الرسول" في ذلك الوقت من أجل نقل أخبار المعارك والهزائم المتتالية للمسلمين والتي كانت تنذر بالتهجير القادم.

وللأغنية بقية إلا أنها للأسف نسيت؛ لأنه لم يتم تدوينها، أو أنها دونت ولم يتم الاهتمام بها، وهنا مربط الفرس من هذه التدوينة، فالأكيد أن الكل يتفق على أن الموروث الشفهي يحمل في طياته الشيء الكثير، مما يمكن معه تلمس حقائق ومعلومات نفسية لا نجدها في التاريخ المدون.

فالموروث الشفهي يعتبر ذاكرة شعب ومن خلاله يمكن أن نقرأ الماضي ونتعرف على أهم الأحداث التي جرت فيه، ونشكل ملامح الزمن القديم، فهو كان الوسيلة الرائجة لحفظ الثقافة حينئذ.

ولا يمكن لأي شعب من الشعوب أن يستغني عن ذاكرته ويركنها إلى زوايا النسيان؛ لأن الذاكرة تمثل للشعوب حقاً في الوجود تمتلك من خلالها ذاتها وتحقق بها هويتها، وتستند إليها في كتابة الماضي.

وبلد كالمغرب لديه موروث شفهي زاخر من الشعر والحكاية والأمثال، وهو من العوامل الرئيسية التي تشكل معالم الهوية الوطنية وترسخ مفاهيم الولاء والانتماء لدى الأجيال الحالية والمقبلة، فلماذا لا نجد مبادرات جادة لتدوين هذا الموروث الشفهي؟ باستثناء بعض المحاولات المحتشمة المعدودة على الأصابع، رغم أن الترويج للتراث وترسيخ صورته في أذهان الأجيال الشابة والناشئة يؤدي إلى أن تتعلق هذه الفئات بتراثها الوطني وتقدره على النحو الأمثل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.