المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خضر سلفيج Headshot

الجسد في فضاء غيابه

تم النشر: تم التحديث:

ما الذي يحجبنا عن أجسادنا؟ لماذا لا نحسّها ولا نسكنها؟ ما الذي ينفينا عنها؟

إنها اللغة المتوارثة، التي صاغت قوالب الجسد وأخضعته لجبروتها. اللغة الناطقة باسم المشرعين والمتحزبين والمتعسكرين. هنا يفقد الجسد جسديته ويتحيون، هنا يُصبح الجسد قيداً، صورةً، ركعةً، صوتاً منحلاً في اللغة المنطوقة والمكتوبة، لغة التلقين والضبط والتوجيه، لغة الخضوع للمرئي واللامرئي.

لكن يحدث أن يتململ الجسد وينذر بالانفجار. يحدثُ أن يعلن المكبوت عن عودته. وكلُّ شيءٍ يتمُّ هنا في اللغة.

أفسحوا للجسد يُريد أن يحكم الجسد
أفسحوا للغةِ تريدُ أن تحاكم اللغة.

وفي الفضاء العربي المغلق، في الفسحة التي يحدثُ فيها التآكل نشهدُ خراب الجسد.

الجسدُ ريشةٌ الآن
تعيد تشكيل الخراب.

في هذا الفضاء، ولنقل على الخشبة العربية، ثمة غيابٌ واضحٌ للجسد. هنا الجسد مُزحزحٌ عن مركزيته. هنا الجسد ليس جسداً. لا نرى ولا نسمع ولا نتكلم ولا نكتب به. به، لا نعرف أننا على الأرض.

الجسد الآنَ كتلةٌ
كلٌّ ينحتها ويشكلها بالطريقة التي يريد.

الجسد منبع الأشكال... تحاول جميع السلطات إخضاعه وإسكاته ولجمه. وها نحن بأجسادٍ خاضعةٍ، مُسْكَتةٍ، ملجومةٍ، نتقدّمُ هبوطاً في ظلمات التاريخ.

أتحدثُ عن جسدٍ تتفرَّع منه إشكالات ما يزال الفكر العربي أخرس تجاهها. أعني الدين والسياسة والجنس.

الدين وحي، تشريعٌ وتعاليم... منذ أن يولد الجسد يتمُّ ضبطه وتوجيهه. آلاف الشرائع تتقدَّم كالأسلاك الشائكة وتحاصر الجسد. يكبر الجسد داخل الأسيجة. والجسد خادمٌ للسلطان، للناطقين باسمه، جندي في معركة السلطان...إلخ.

الجسد دينٌ، جملة شرائع، الجسد علاقة وليس غاية. من الولادة إلى الموت ثمة حرّاسٌ على الجسد مفرّغون للعناية به والإجهاز عليه.

ورغم أن الجسد ما يزال أسير سياقه المتوارث على الخشبة العربية، حدث نوع من التململ نتيجة الاصطدام بالآخر الغربي على مختلف الأصعدة.

الجسد العربي يتخرب ويدخل حالة عدم التوازن طويلة الأجل. لقد أدلجت القوى السياسية المثقفين العرب وساهمت في قيادتهم إلى مصير مأساوي. كيف لهذا الجسد استعادة قدرته. ربما عليه طرح نفسه كطاقة مستقلة عن التنظيم الأيدولوجي كما أنه مطالب باستعادة شجاعته الفكرية ولن يتم ذلك بسهولة وفي وقت قصير. لابد من انتظار نهضة جديدة.
نهضة حقيقية تترافق مع هذا الانحطاط السائد. ودور المثقف سيكون حاسماً في هذه النهضة. غير أن خلق هذا الدور يعتمد على المثقف نفسه.
التغيرات التي تعصف بالعالم باتجاه الديمقراطية تعصف بنا باتجاه إبقاء الاستبداد وتكريسه والمحافظة على أنظمة القرون الوسطى.

سؤال خائف بقدر ما هو مُخيف، ينبثق من مباغتة ما لا ندريه...