المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خباب عبد المقصود Headshot

البراء أشرف.. لم يكن مجرد صديق

تم النشر: تم التحديث:

ذات يوم ومنذ عشر سنين دخل عليّ رئيس التحرير، وقال لي: "سيعمل معك في القسم شاب مختلف، اسمه البراء أشرف"، قلت وقتها لرئيس التحرير: "مش كفاية أنا اسمي خباب، كده بقينا في مكة مش في القاهرة".

قابلته وتصادقنا، كانت مقابلاتنا غير منجزة إلا من الأفكار، لم نكتب سويًّا في هذا الموقع، لكننا التقينا بعدها في "عشرينات" وما أدراكم ما هذا الموقع "عشرينات"، كنا أسرة، كنا أشقاء، والبراء كان الفتى المدلل فينا.

البراء أشرف حالم دائمًا، طموحه يعانق السماء، في إحدى المرات بينما كنا نتسكع مشيًا على كورنيش النيل في منطقة الجيزة، سألني مباغتًا "نفسك تبقى إيه بعد عشر سنين، وقتها كانت إجابتي أن أكون مراسلًا صحفيًّا في قناة إخبارية محترمة، لكنه كان يحلم بأن يكون منتجًا سنيمائيًّا، أحب أن يقدم لنا فنًّا مختلفًا عما كان موجودًا في هذا الوقت.

كنت استغرب هذه الأحلام منه، لم يكن حتى ناجحًا في دراسته -بالنسبة لي-، لكنه كان مختلفًا، كان يعلم ما يريد، كان ناجحًا في حياته العملية، تلك التي تحدث لاحقًا بأنها هي من دمرت حياته.

آآآآآه علينا، أصِرت أكتب عنك يا براء بصيغة كان، هل فعلًا فقدناك يا صديقي؟! هل فعلًا تركتنا ورحلت عنا، أثقلتك الدنيا بهمومها رغم صغر سنك.. كنت تعلم أن الآخرة قد دنت منك بينما كنا نمزح ولا نعي قدرتك على معرفة الموت وقربه.

البراء أشرف، من ذا الذي يستطيع أن يرثيك، لسنا نكتب كما تكتب ولا يقرأ لنا من يقرأ لك.

البراء أشرف الطفل الكبير، بنك الأفكار المتحرك، طلبني ذات يوم لنعمل معًا في شركته التي أسسها، لم نتفق، لكنني أخبرته وقتها أنه يحتاج لمدير لهذه الأفكار، يجدولها وينظمها ويعمل على تنفيذها، ووقتها لم يكن عندي من الموانع أن أكون مجرد منظم لهذا الجهد الخلاّق.

البراء لم يكن مجرد كاتب أو منتج أو إعلامي مختلف.. البراء كان نموذجًا للطموح الذي يتحقق، حتى في إخفاقه، نمر جميعنا بحالات مشابهة، ننطلق وننجح وننكسر.. كنا من جيل تمنى أن يكون، لكن أمنياته كسرها الوجع والفراق، كسرتها دولة العواجيز.. كسرها أننا حلمنا بأكثر مما ينبغي أن نحلم به.

دائمًا ما كانت تسألني زوجتي عن براء "وهو عامل إيه دلوقتي".

كنت أتابعك كمعجب بكتابتك، لك طريقة مختلفة في السرد والحكاية، رغم تقاربنا في السن، ورغم أنه يبدو علينا المنافسة، لكني أبدًا ما أحسستها ناحيتك ولا كنت أتمنى لك سوى النجاح.

كان البراء دائمًا يسأل، أحد أسئلته: "تحب تبقى إيه يا خباب"، قلت له "ماذا تعني"، قال "تبقى جنرال في جيش صغير ولا جندي مارينز في جيش كبير وقوي"، وقتها أخبرته أنني أحب أن أكون جندي مارينز في جيش كبير وقوي، كان هو مختلفًا، كان يريد أن يصنع هو جيشه فاختار أن يكون منتجًا ويغامر.

ستظل تجربتك مثالًا نتعلم منه يا صديقي.. البراء أشرف تقريبًا أصغر منتج في مصر.

ذات يوم يا براء كانت إيمان عبدالمنعم تعتبرك ابنًا لها، وأنا كنت شقيقك في هذه البنوة، رحمك الله يا أخي يا براء.

البراء أشرف كان يعلم أنه قصير العمر، كان يقول "أنا هاموت بدري.. عشان تخين.. زي علاء ولي الدين"، نضحك ونقول له "كويس يعني لسة بدري، هتموت في الخمسينيات". البراء كان يرد ويقول "أنا هاموت وأنا عندي ثلاثين سنة".

لست أرثيك يا براء ولكنني أرثى حالنا، لم أعد أطيق الفراق، وصار الوجع ينحل من نفوسنا الكثير.. أكتب الآن ولا أستطيع دفنك أو وداعك.

لماذا الآن يا براء، وجعك يفوق طاقة الاحتمال يا صديقي.. لله ما أعطى وله ما أخذ وكل شيء عنده بمقدار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع