المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

خباب عبد المقصود Headshot

الصحافة تسبب الصلع المبكر

تم النشر: تم التحديث:

عادة الكتابة لغز كبير بقدر ما تخرج من ذاكرتك فهي تثبت ذكريات وتلقي بأخرى بعرض النسيان. وهي في الحقيقة متنفس لأمثالنا فهي تقول ما لم نستطع قوله في بعض المواقف وفي بعض الأحيان.. والتجارب الشخصية إما أن تكون غنية بعمقها أو غنية بتفاهتها.. كلها غني، وعلى القاريء استدراك العبرة منها.

الحقيقة أن تجربة السباحة في تيار الكتابة عادة أيضًا ما يقود إلى المجهول كالمجهول الذي تنطلق إليه في رحلة من رحلات الانتقال إلى آخرين لتحكي عنهم أو بهم حكاية لنفسك ولآخرين لا يعلمون عنهم.. والرواية عادة هي روايتك ووجهة نظرك واكتشافك.. هذا الذي عادة ما يجعلك تقابل من يختلف معك وينتقد روايتك..

سأحكي..
حكايتي هي حكايات عملي الذي ضاعت معه شعيرات رأسي.. فرغم خلافاتي الدائمة مع زوجتي حول ضرورة إيجاد حل لهذا الصلع المبكر إلا إن الطبيبة تؤكد أن الحل الأول مع العلاج هو الراحة النفسية والبعد عن المشكلات وضغوط العمل، هيهات هيهات إذن لما تأمل أن تراني به زوجتي مرة أخرى حيث شعري الكثيف.

وطالب الصحافة في زماني وفي هذا الزمان يدخل هذا العالم باحثًا عن المغامرة الصحفية، مغامرة يحلم بها ليدخل دهاليز عوالم الفساد الحكومي ومافيات المخدرات والدعارة والسلاح، ويصبح البطل من يحقق كشفًا للمستور في هذه القضايا.. وعلى الجانب الآخر تجد نوعية من طلاب الصحافة يبحثون عن الحروب ليغوصوا في تغطيات هي أقرب للموت منها للحياة.

والحقيقة المؤلمة التي لا يعلمها الكثيرون منا من طلاب الصحافة أن الصحافة مهنة متشعبة وقليلون هم من يحققون حلمهم بالمغامرة الصحفية أو تغطية الحروب، حتى جاء لبلادنا ما أطلق عليه الربيع العربي، صار في نظر البعض خريفًا أو عاصفة مدمرة لاستقرار الشعوب، وبعض الحالمين باتوا على أمل إحداث تغيير حقيقي لم يتحقق حتى الآن.

منذ ٢٠٠٢ وحتى ٢٠٠٦ كانت بلادي هادئة إلا من مناوشات روتينية بين معارضة مستأنسة ودولة تمسك جيدًا بزمام الأمور وتعرف كيف تتحكم في مجرياتها.. انتفاضة القضاة على إثر تزوير الانتخابات في ٢٠٠٥ وتحويل قضاة إلى التأديب بسبب شهادتهم حول الانتخابات، وظهور كفاية، وصولًا إلى ٦ أبريل ٢٠٠٨.. المحلة الكبرى.

هنا في الحقيقة محطة مهمة لأمثالي للخروج من مكتبهم في حي الدقي بالقاهرة، حيث موقع عشرينات -موقع مهتم بشؤون الشباب العربي- للسفر إلى مدينة المحلة الكبري شمال القاهرة وتبعد عنها ١١٠ كيلو متر تقريبًا.. بداية ثورة مصر.. مدينة العمال.. مدينة الغزل والنسيج.

كانت المدينة شرارة الثـورة، كانت انتفاضة ضد الغلاء وضد القمع والأساليب الوحشية، كانت ضد جهاز أمن الدولة، يومها تحولت المدينة لمدينة الأشباح، لا عمال في المصانع، لا مواطنون في الشوارع، المحلات مغلقة باستثناء بعض المطاعم والبقالة.. منذ العاشرة صباحًا وحتى الساعة الرابعة عصرًا لا جديد.. بعض اتصالات متفرقة من بعض النشطاء تؤكد أن الإضراب نجح وأن العمال والشعب سيخرجون في مظاهرة بميدان الشون بوسط البلدة لإنهاء الفعالية بعد نجاحها طوال اليوم.

إذن لا جديد.. في ميدان الشون وفي الرابعة قررت أن أعود أدراجي حيث قاهرة المعز.. في موقف السيارات في انتظار السيارة أن تكمل ركابها.. الوقت يمر ودقات قلب من حولي تخفق بشدة ينتظرون المجهول، ويأملون مثلي في أن ينتهي الأمر عند هذا الحد.. لكن القدر لم يمهلنا أكثر من نصف ساعة.. ليتحول الميدان لدفقات بشرية ترفع لافتات تنادي بإسقاط النظام.

سريعًا وبمعاونة من أهالي المنطقة، وبعد التأكد من هويتي الصحفية المصرية، وأؤكد هنا على مصريتي ومصرية المؤسسة التي أعمل بها وكأن المصريين حريصون طول الوقت على عدم نشر "بلاويهم" للخارج الغربي.. قرروا سريعًا مساعدتي في اعتلاء أحد أسطح البنايات لمتابعة المشهد.

قبل صعودي للمبنى المكون من ١٣ دورًا، كادت رائحة الغاز أن تخنقني ورفيقي الذي لم أكن أعرف اسمه حتى الآن.

وصار المشهد من أعلى حالات فر وكر من ميدان الشون.. مرة قوات الأمن المركزي تتفوق وتفرق المتظاهرين.. ومرة يحاصر المتظاهرون قوات الشرطة داخل الميدان.. وكانت محصلة اليوم احتراق مدرسة ومخزن للأقطان والعديد من السيارات.. حالات اختناق بالجملة.. وشائعات بوفاة ٣ مواطنين أحدهم رضيع شاهدت أباه يحمله مهورلًا للمستشفى.

أما المشهد الذي لا يزال في الذاكرة ولم تمحه عوامل الزمن والثورة هو مشهد إسقاط صورة مبارك التي كانت تنير الميدان.. سقطت الصورة في الميدان وسقطت معها عند ثوار هذا اليوم هيبة مبارك الديكتاتور.. ٥ ساعات أخرى مرت محاصرًا في تلك البناية أصور وأنقل عبر الهاتف ما أرى لزملائي في القاهرة.. لينتهي اليوم بخروجي متسللًا إلى مدينة زفتى القريبة من المحلة في طريق عودتي للقاهرة.

كانت بداية ثورة مصرية أسقطت سلطة مبارك عن الحكم في ٢٠١١ وتم التحضير لها في رأيي منذ تلك الليلة.. ليلة أولى من شم الغاز وسماع طلقات المطاطي ورؤية الحرائق تجتاح مدينة العمال.. مشهد يظل عالقًا في الذاكرة كما مشاهد أخرى سيأتي الوقت لأحكيها هنا من جديد.. ولا عزاء لزوجتي في أن ترى شعري يعود إليها من جديد.

دمتم بخير في الذاكرة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.