المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كنزة معقود  Headshot

ما بعد الثورات العربية

تم النشر: تم التحديث:

للثورات العربية التي جلبت معها الدمار والذل لشعوب لا يصلح جلها للحرية، لشعوب تسلط حكامها، وأبوا إلا أن يتشبثوا بالعرش كأنهم وُلدوا به، والتخلي عنه عملية استئصال ستودي لموتهم.. حكام فضلوا أن يحكموا مدناً تفوح منها رائحة الموت، لشعوب لم تعترف باختيار الأغلبية وتشبثت بتاريخها القديم من الانقلابات؛ لتعيش بعدها العبث وتترحم على الديكتاتور الرحيم الذي كان يرميهم بفتات الرغيف الذي يسد رمقهم، لكن لا يمنحهم الطاقة الكافية للصراخ والاعتراض.. لشعوب لم تقرأ يوماً كتاباً وتوجه لك سيف الكلمات كلما ناقشتها في شيء.. حرية وكرامة وديمقراطية وحقوق وواجبات دستور وعيش كريم ونمو، ومصطلحات اقتصادية وسياسية شتى أصبح يستعملها حتى ذلك البائع الذي كان يحتل الملك العام ويترك وراءه الأزبال والأمراض.. أصبح الكل بعد الثورات العربية يفقه في السياسة، ويفهم في كل شيء، وذلك حقه، لكن عن أي حقوق يتحدثون؟ وعن أي حرية؟ فلقد يجب أن أسأل أولاً ما هي الحرية؟ وهل توجد فعلاً حرية؟ وإلى أي حد تقف حرية الآخرين؟

ما بعد الثورات العربية آثرت أن أفكر في كل هذا، ووضعت كل شيء جانباً؛ لأننا كعرب أثبتنا فشلنا في كل شيء حتى تلك الاستفاقة التي تحمسنا لها ما فتئت شرارتها أن تنطفئ ونعود كما كنا منذ أزل.. شعوب تشتعل في سنين وتخمد في ثوانٍ، وكلما استيقظت الإنسانية النائمة بداخلها دفعتنا لشيء واحد: هيا قِفوا.. وها نحن سنقف ثانية لنندد ثم سنجلس، لنحتسي بعدها الشاي بطعم المهانة مغلفاً برائحة الفخر كأننا حررنا للتو حلب، هكذا هم العرب، حين يغضبون يقفون ثم يجلسون فينسون، ينسون أن الذل يسري في عروقهم، أن القدس ما زالت منذ أزل تناديهم.. تنادي قوماً لا يسمعون إلا للحاكم المستبد، لا يفقهون سوى ما أخبرهم الفقيه يوم الجمعة، خطب فيهم عن أضرار الإنترنت، وعن داعش، ونسي أن يخبرهم أنهم أوحش وأجبن، وأنهم يمارسون الإرهاب كل يوم على أنفسهم وعلى الآخرين.

لن أرثيك يا حلب، فشهداء الكرامة أحياء للأبد، لكني سأرثي العرب.. سلام لأمة لا نخوة لها ولا إسلام.. سأرثي موت القيم فينا وكيف أن الموت أصبح قضية إعلامية يتم التلاعب بها كي نتوه وسط دوامة وسائل التواصل الإعلامي التي تتقاذفنا بين صحافة صفراء تحب الفضائح، وأخرى لا معنى لكلماتها ولا قصة، لصور لم نعد ندري حقيقتها، لفجائع استوطنتنا وحاصرتنا في كل مكان.

ما بعد الثورات العربية ظن البعض أننا اهتدينا إلى السبيل، لكنها كانت بداية الضياع، علمنا حينها أن العيب ليس في الحكام، بل في ثقافة متجذرة في دواخلنا، كيف تحرّر شخص يعتبر حريته في سجنه ويحب جلاده؟! ضعنا وسط المصطلحات والمفاهيم الكبيرة وبين المصالح؛ كي نعي أننا أصغر من تلك الصورة التي كنا نرسمها لأنفسنا.. نحن هكذا نجعل من كل شيء عظيماً فنشعر بنشوة النصر فنتخاذل.. أظن أننا نشرب التهاون في الماء الذي يأتينا من الصنبور ولربما رشوا التقاعس في الهواء فخذلنا أنفسنا قبل الآخرين.. لنعي فجأة أن العرب لا تجمعهم إلا اللغة، بل وحتى تلك الأخيرة لم يعودوا يتواصلون بها، وتبنوا لغات أخرى أكثر تحضراً؛ لأن نموهم توقف في العصور الوسطى ليعيشوا حتى اليوم وَهْم العظمة والإنجازات الكبيرة لأجداد يلعنوننا في قبورهم.. لأجداد تبرأوا منا.

ما بعد الثورات العربية سقط القناع عن القناع، ولم تستطِع الشعوب العربية تحرير أنفسها كي تحرر الأقصى، وما زالت عروس العرب فلسطين تنتظر فارسها النبيل؛ كي يحررها من مغتصبيها، وما زالت حلب مهد الحضارة لا تعرف الصديق من العدو، ما زالت تبحث عمن يحمل في يديه لعنة دماء الأبرياء وما زال العرب كلما نكبوا طلبوا عون الأميركان وما انفكوا يسبونهم ويؤمنون بنظريات المؤامرة.

نعم هنالك مؤامرة، لكن نحن من تآمرنا على أنفسنا، ونسينا أن التغيير يبدأ من دواخلنا ويأخذ وقتاً كي يثبت، وأن كل تغيير لحظي زائل، ولن يخلف وراءه غير الدمار.
ما بعد الثورات العربية نهبت الثروات، وتعرى واقع الإنسان العربي.. ما بعد الثورات العربية انهار المعبد على الآلهة التي عبدها العرب منذ أزل، فألحد البعض، وما زال البعض الآخر يبحث عن الحقيقة المدفونة في ركن بعيد من هنا.. سنظل نبحث حتى نضيع، ونحط الرحال من جديد في مكان بين البعيد والقريب، لكن ليس هنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.