المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كريم بركات Headshot

حين نجح خالد الصاوي في تغيير القدر

تم النشر: تم التحديث:

(1)

(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21]

(2)

دائما كنت أتساءل، من الذي أقنع صناع السينما في مصر أن الافلام الدينية هي بالضرورة أفلام عن فترة صدر الاسلام أو حياة الخلفاء أو حياة أحد الأئمة أو الصحابة؟

ولماذا لا يحكي الفيلم عن فترة معاصرة ؟أو حديثة؟ لكن فكرته هي التي تكون فكرة دينية، كمناقشة فكرة الايمان بالقضاء والقدر، أو فكرة الثواب والعقاب، أو أي فكرة من هذا القبيل.

لكن بقليل من الامعان وجدت أن هذا الخلط ليس مشكلة صناع السينما فقط ولكنه آفة الثقافة العربية كلها التي تخلط بين ( التاريخ الاسلامي) و(الدين الاسلامي)

(3)

يحكي فيلم (الفرح) عن سائق ميكروباص(خالد الصاوي) يمر بأزمة مالية ويريد أن يشتري ميكروباص جديد ولكنه لا يملك المال الكافي فيعتصر دماغه من التفكير فيهديه عقله لفكرة جهنمية!

إنه يعيش في منطقة شعبية حيث يتم تبادل (النقطة) في الأفراح وتكون بمبلغ كبير يكفي لدفع مقدم السيارة، وهو رجل مجامل، وله (نقطة) كبيرة لدي كل المنطقة، ولكن المشكلة أن أولاده مازالوا أطفالا، وليس له إخوة أو أخوات فأي فرح سيقيم؟ ولمن؟ يشاور صديقة (محمود الجندي) وهو في نفس الوقت منظم أفراح فيشير عليه باستئجار شاب وفتاة وادعاء أن الفتاة أخته غير شقيقة، ولكنها تقيم مع والدها في الريف.

وبالفعل يعثران على ضالتهما في شاب وفتاة مخطوبين منذ أعوام ويحتاجان لأي مبلغ من المال، ويتم تحديد موعد الفرح. يمثل الفرح فرصة ذهبية لأغلب شخصيات الفيلم: فخالد الصاوي وصديقه يطمعان في مبلغ كبير من المال يقتسمانه وصلاح عبد الله المنولوجست القديم الذي فاته قطار النجومية يريد أن يستعيد مجده بعد مرور شهور طويلة لم يستدعه أحد لأي فرح، خاصة أنه قد أحضر ابنه معه؛ ليشاهد كيف يعجب به الجمهور على المسرح، والعريس المستأجر في أمس الحاجه للمال؛ ليجري عملية لخطيبته وفي اليوم الموعود تدور الأمور كما يجب لها.

ويبدأ الفرح ويهل المدعوون وتبدأ النقطة في التدفق والمنولوجست في انتظار فقرته بشغف وتوتر وخالد الصاوي مستبشر بالبداية وسعيد بالنقود التي تتدفق ثم فجأة في منتصف الفرح تقريبا تستدعيه زوجته.

(4)

ماتت والدته، هكذا بلا مقدمات، مفترق طرق، وتوقيت قاتل يضاعف إحساسه بالخسارة والحزن،إنه في أمس الحاجه للنقود، وما زال الفرح في أوله، لم يجمع ما يكفيه، لكنها أمه، أمه التي توفيت، يضم المشهد كل من لهم مصلحة في استمرار الفرح، خالد الصاوي وصديقة اللذان ينتظران النقطة التي لم تكتمل، المنولوجست الذي ينتظر فقرته، العريس الوهمي الذي ينتظر أجره، موقف عسير ومحير قد يتعرض له أي انسان!

هل يتبع حسابات الطمع والرغبة والعقل المجرد القاصر، أم يتبع صوت الفطرة والعرف؟ صرخة تحذير مدوية تصم الآذان، لوحة ارشادية سماوية واضحة تنبهه أن الاستمرار في هذا الطريق مخاطرة كبيرة، وتدعوه للتوقف والاكتفاء بما جمع.

ماذا يفعل؟ هل يتجاهل تحذير السماء ويتبع حسابات العقل التي تسحبه لإكمال الفرح وتأجيل إعلان الوفاة حتى يجمع المال الذي يحتاجه بشده!

(5)

)وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21]

(6)

يبدأ الواقفون في إقناعه باستكمال الفرح ليجمع ماله مؤكدين أنه لا ضرر من تأجيل الإعلان عن الوفاة، وأن المتوفاة لو كانت تستطيع الكلام لقالت له: ذلك ... و... و ... وساقوا له كل الترهات والحجج الفارغة التي قد يخرجها عقل قاصر لا يدرك الحكمة وراء مقادير الله، ولا يعي ولا يري التحذيرات والتنبيهات المستترة بداخلها.

وبالفعل يكمل الفرح، وتأتي فقرة المنولوجست ويصبح مثار سخرية واستهزاء كل الحاضرين أمام ابنه، ويهاجم لص الشخص الذي يحمل النقطة ويسرقها كلها ويهرب، ويخسر كل من كان يظن أن مصلحته في استمرار الفرح.

(7)

بداية من هنا تظهر عبقرية الفيلم: حيث يصور لك المخرج نهاية ثانية مختلفة عن الأولى، حين يستجيب البطل لذلك التحذير السماوي الذي يؤكد له أن الاستمرار في هذا الطريق ولو لخطوة واحدة زائدة لن ينتج عنه إلا الخسائر، فيقرر القرار السليم المناسب، وهو إيقاف الفرح وإعلان الوفاة ويحتفظ بالجزء الذي جمعه من النقطة، وكذلك يحتفظ المنولوجست بمكانته في عين ابنه ويخرج الجميع رابحين.

(8)

صحيح أننا في عالم الواقع لا نمتلك رفاهية تجربة الطريقين ثم اختيار أفضلهما بعد ذلك عن اقتناع تام؛ لأننا رأينا بأعيننا مدى الخسارة في الطريق الآخر وبالتالي فلا مجال للندم أو القلق ولا مجال لكلمة (لو)، إلا أننا في المقابل نمتلك شيئا أهم من التجربة: نمتلك الإيمان،واليقينوالثقة بالله، وبحسن تقديره، وبأن كل قضائه سبحانه وتعالي خير ورحمة وأنه مهما بدا قدر الله لعقولنا القاصرة موجعا أو مؤلما، إلا أنه في الحقيقة يكون كله رحمة وخير، لكننا لا ندرك حكمته سبحانه وتعالى، وربما ندركها، لكن متأخرا بعض الشيء فنهتف ساعتها بانبهار، (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21]

وتذكروا الجزء الاخير جيدا: "وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.