المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Karen Barkey Headshot

فضاءاتٌ مقدسةٌ مشتركة

تم النشر: تم التحديث:

نعيش في عالمٍ حيث أصبح الدين جزءاً من الحياة العامة، حيث الانقسامات الدينية ملحوظة، وحيث تتم مناقشته على أنه سبب صراعات كثيرة في العالم الحديث. الدين هو الهوية التي يستخدمها الناس لتوحيد الجماعات معاً، وهو ما يقود إلى تشكّل هويات مترابطة وشبكة متميزة بانغلاقها.

حين نركز على أخبار العنف وحكاياته، غالباً ما نتجاهل أنه في مناطق عديدة من العالم حيث يظهر الصراع والعنف الديني كانت ثمة فتراتٌ طويلة من السلام والعيش المشترك. ننسى أن الهندوس والمسلمين، اليهود والمسلمين، المسلمين والمسيحيين، السنة والشيعة والعديد من الجماعات المنقسمة الأخرى قد عاشت مع بعضها البعض لفترات طويلة من التاريخ.

ليس فقط في حوض البحر الأبيض المتوسط، بل أيضاً في جنوب آسيا، الشرق الأوسط وأفريقيا ومناطق أخرى من العالم، حيث ولَّد التنوعُ تعايشاً مشتركاً، سلاماً بين الأديان وانسجاماً وجّهته قيادات متنوِّرة أو ظهر عبر تعاون أناسٍ يمتازون باختلافهم.

وهكذا، غالباً ما تشاركت المجموعاتُ ذات الديانات والأعراق المختلفة مصادرها العلمانية والمقدسة، فضاءها المكاني واعتقاداتها. لكن ونتيجةً لتفشي الصراع في الوقت الحالي، يصعب أن نتخيل فضاءات دينية كالكنائس، المعابد، المساجد والأضرحة كأماكن مشتركة بين أكثر من جماعة دينية أو عرقية واحدة.

ففي المناطق التي كانت تخضع سابقاً للإمبراطورية العثمانية مثلاً، ثمة عددٌ لا يُحصى من المواقع التي تعتبرها أكثر من جماعة دينية واحدة مواقعَ مقدسة. المواقع المقدسة المشتركة هي أماكنٌ دينية يستطيع الناس الذين ينتمون إلى ديانات مختلفة وأعراقٍ مختلفة أن يعيشوا فيها رغم اختلافهم، وأن يتقبلوا الحاجات الدينية للآخر وأن يناقشوا اختلافهم على الملأ.

إن مشاركة الأماكن والتقاليد بين العديد من الجماعات الدينية يكشف الممارسات الدينية المتنوعة مثلما يكشف احتمال التعايش بين الجماعات التي يُفترض أنها متعارضة. إن دراسة مثل هذه النوع من المشاركة يزودنا بفهم جوهري للمزايا والسمات الهامة لنشر ثقافة التسامح والتفاهم.

يمكننا أن نجد مئاتٍ من مثل هذه المواقع في المصادر التاريخية، والعديد منها لا زال مشتركاً رغم "عدم التجانس" العنيف بين الناس والسياسات القومية للدول التي تشكّلت في الفترة ما بعد الإمبراطورية، أي في العالم ما بعد الكولونيالي. بقيت ممارسات مشاركة الفضاء الديني حيةً سواءٌ في الأماكن القروية أو الحضرية، كاشفاً عن نسيجها الاجتماعي الغني بالتقاليد الممتزجة، بالحكايات المندمجة وبالخرافات والاعتقادات المتمازجة. في هذه الأماكن، حيث الناس لا زالوا يختلطون ويتابعون تعديلَ تقاليدهم، يضيفون إليها، يبررونها ويشرحونها لكي يفسروا لأنفسهم ولمحاوريهم أسباب انتمائهم لها، تمسكهم بها، وأسباب احتفائهم بما هو مختلف وترحيبهم ب"الآخر".

أنا مهتمٌة بهذا النتاج التاريخي والمعاصر، وهدفي أن أقوم بدراسة الكيفيات والأسباب التي تدفع الناس إلى الخوض في هذه الحالات التي تمتاز باختلافها ليستخلصوا المعاني التي تحتفي بهذا الاختلاف في الأماكن الدينية المشتركة منذ الفترة العثمانية وحتى الوصول إلى الوقت الحالي في تركيا، اليونان والبلقان. نستطيع البدء ببعض الحالات المتعلقة بالمزايا الحديثة لمشاركة الأماكن المقدسة في تركيا، وخاصة في اسطنبول القرن الحادي والعشرين.

في اسطنبول، تشكِّل الكنائس الأرثوذكسية مواقع هامة للامتزاج الديني بين المسيحيين والمسلمين الذين يشاركونهم العبادة في نفس المكان. تشترك هذه المواقع الأرثوذكسية بميزة مشتركة وهي أنها كلها تحتوي على نبعٍ أو مصدرٍ لل"مياه المقدسة" (Ayasma) التي تجلب البركات، تشفي الأمراض وتمنح الصحة للمؤمنين الذين يشربون منها. تكوَّنت أسطورة فوائد مصادر المياه المقدسة هذه خلال الفترات العثمانية، البيزنطية وما قبل البيزنطية. لكل مصدر من هذه المصادر تاريخه الخاص، حكاية اكتشافه الخاصة والتي يُشار إليها في العديد من المصادر التاريخية. يرتبط الاكتشاف عادة بمعجزة شفاء مريضٍ من الوجهاء غالباً يؤسس فيما بعد كنيسةً في الموقع المُشار إليه. تنتقل منافع الشرب من هذه المصادر، وقداسة هذه الأماكن من جيل إلى آخر. مثل هذه العمليات من النقل بين الأجيال هي ما حافظَ على بقاء هذه الأماكن، رغم أن التغير السياسي والاجتماعي قاد إلى "انعدام التمازج" بعد تقلص التعددية الدينية في المكان.

أولاً، هذه الممارسات هي جزء من الإرث العثماني، فالإمبراطورية العثمانية التي تمتعت بتنوع ديني، عرقي ولغوي هائل منحت الفرصة لظهور أشكالٍ عديدة من العيش المشترك (سواءٌ السلمي أو غير السلمي)، وهذه الأشكال تزودنا الآن بإمكانيات البحث الذي لم يتم بالشكل الكافي بعد. ثمة دليلٌ واضح أن الحديثَ عن الإمبراطورية العثمانية لا يزال مهماً في النقاشات حول التنوع، وأن تنظيمها للمجموعات الدينية لا زال يُعتبر مثالاً تاريخياً ناجحاً لحكم مجتمع متنوع الأديان والأعراق.

تبدّى هذا التنوع مثلاً في مشاركة المزارات المقدسة، سواءٌ كانت مسيحية، إسلامية، أو حتى يهودية. لذا من الواضح أنه ثمة تأثيرٌ لتكافل ثقافي وديني طويل في مجتمع تمتع لقرون عديدة بتفاعلٍ عميق بين المسلمين والمسيحيين، وطوَّر ممارسات عقائدية معينة يُمكن أن تُعتبر "توفيقية"، فقد تمَّ تبادل وامتصاص الرموز الدينية عبر الزمن، دون أن يتم الدمج الكامل بين العقائد الدينية. مثل هذه التشابهات بين الممارسات، التقاليد والمعاني الدينية تدل على تشابه ثقافي أكبر تكوَّن عبر القرون، وهذا التشابه الثقافي يدل على انتقال العادات، المهارات، السلوكيات، المعرفة بالأدوية وطرق العلاج وأشكال التعلم من جيلٍ إلى آخر.

العديد من زوار هذه المواقع المشتركة يشيرون اليوم إلى تقاليد العثمانيين، فأسلافهم، أجدادهم وعائلاتهم ساهموا في طقوس الحياة اليومية المشتركة هذه. أخبرتني امرأة مسلمة شابة أتت إلى كنيسة Vefa الإغريقية الأرثوذكسية في اسطنبول مع إحدى صديقاتها أن جدتها اعتادت أن تزور الكنائس وأن تأخذها معها حين كانت صغيرة. أضافت المرأة أنه "لا يوجد شخص يحترم نفسه يعيش في اسطنبول ولا يعرف كنائسها العديدة. إن هذا جزء من امتزاج اسطنبول: نذهب إلى الكنائس وإلى المزارات الإسلامية. هذا الطواف من موقع إلى آخر يقرِّبنا من فهم بعضنا البعض".

إن تآلف هذه الأنماط من العادات يجسَّد الطبيعة العثمانية، هذه الحلول والغرائز شبه الواعية هي ما دفعت الناس لعيشوا حياتهم اليومية عبر المشاركة في العديد من الطقوس الدينية والثقافية المختلفة في نفس الوقت، كما كانت ثمة عوامل مساعدة لهذا الانسجام تمثلت في انعدام الحدود بين الثقافات المختلفة وتعدد اللغات التي تحملها. يستحضر الناس ذكريات هذه الطقوس التي كان يمارسها أسلافهم ويتشاركون في حنينهم إليها. زاد هذا الحنين بسبب الإحياء الجديد "لكل ما هو عثماني"، وهي الفكرةُ التي تلعب على وتر الذاكرة العاطفية للناس، وتمثِّل الماضي على أنه كان رائعاً ببساطة.

وبينما يتم تقديم هذه "النزعة العثمانية" في الإعلام، وعبر سياسات حزب العدالة والتنمية الذي يتفاخر بالتاريخ العثماني، خاصة من ناحية المجد والتسامح، وفي النتاج الثقافي للمجتمع التركي، إلا أنه يخدمُ أهدافاً مختلفة. حتى في المناطق التي لا يوجد فيها هذا الحنين العثماني، تبقى الذاكرة التاريخية والثقافية للماضي العثماني حية بين الأجيال التي شهدت التحول من الحكم الإمبراطوري إلى الدولة الجمهورية.

السياق الآخر لهذه المشاركة يتمثل في السياسة المعاصرة. بطريقةٍ تذكِّرنا بتحليل ميشيل دي كيرتو للأشكال اليومية للمقاومة، ينضم الناس إلى أشكال المشاركة السياسية، بعضهم يحاول تقويضها، والبعض الآخر يحاول تأكيد فهمه للنظام السائد. أكثر من يعبِّر عن رفضه للنظام السائد هم العلمانيون والطبقة المتوسطة والغنية من الأتراك الذي يعتبرون مشاركتهم في الحياة السياسية شكلاً من أشكال التمرد على "التحويل السُّنِّي" لتركيا.

عبر تذكر الماضي المتعدد الأعراق، وعبر إعادة إنتاج الواقع المتعدد ثقافياً، يحاول العلمانيون معارضة سياسات حزب العدالة والتنمية، رغم أن حزب العدالة نفسه يستخدم نفس المبررات (الماضي متعدد الديانات، والتسامح) لإثبات أن تركيا تحت حكم حزب العدالة هي استمراريةٌ للإمبراطورية العثمانية. رغم ذلك، يسعى العديدون إلى النأي عن ادعاءات حزب العدالة قائلين: "لقد عشنا طويلاً في مجتمع متعدد الثقافات، لا أحد سيأخذ هذا منا"؛ تعارض هذه المقولة السياسات الحالية التي تسعى إلى "التحويل السُّنِّي" وإعادة إحياء الإسلام. وهكذا أصبحت الأماكنُ المقدسة المعروفة بتنوعها وتقاليدها المنفتحة تجسيداً لشكلٍ من المعارضة العلمانية.

بعيداً عن سياسات المعارضة العلمانية، يقوم المزيد من السُّنَّة المتدينين بزيارة الكنائس، فقد أدركوا الآن فوائد هذه الأماكن الدينية، فنراهم يأتون طلباً لتحقق الأماني أو للحصول على بعضٍ من المياه المقدسة. معظم هؤلاء نساءٌ متديناتٌ يأتين إلى المكان الذي يعرفون أنه ينتمي إلى "الآخر" لكن أهمية المكان تدفعهن إلى تجاوز الحدود الدينية بحثاً عن الخصوبة والذُّرية والعافية التي تأتي من مباركة راهبٍ يوناني. في هذه الحالات، لا تُعتبر الزيارةُ تقويضاً للنظام بقدر ما تمثِّل نظرةً خاصة للتعدد العرقي والديني.

الخلاصة هي أنه من المهم استكشاف ظاهرة مشاركة الأماكن الدينية المقدسة في المدن الحديثة، رغم أن هذا يجب أن يتم دون إغفال الاعتبارات التاريخية، العملية والسياسية المتضمَّنة في هذه الممارسات. تمثِّل هذه الأماكنُ تنوعاً، لكن المعنى الاجتماعي والثقافي المرتبط بالتنوع يمكن أن يكون معقداً ومتناقضاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.