المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كريم فوزى ابراهيم Headshot

هعوم إلى أوروبا

تم النشر: تم التحديث:

(1)

في رمضان الفائت قام أحد البنوك بعمل حملة إعلامية ضخمة في التليفزيون وفي الشوارع، تتلخص فكرتها بأن هناك قروضاً وعلى الشباب العمل وإنشاء مشروعات مصغّرة لتقوية وتدعيم الاقتصاد، وقد سبقت تلك الحملة، حملة مشابهة لنبك يتحدث أيضاً عن نفس تلك الفكرة.

كان من إحدى الطرق للترويج لفكرة البنك، التحدث عن الهجرة غير الشرعية وعمل banner كبير عليه صورة شاب صغير السن من الصعيد، وعليه جملة "هعوم إلى أوروبا" وبجانبها جملة ادعوا له يوصل بالسلامة، بطريقة لا تخلو من السخرية والاستفزاز، وفي التليفزيون تم تسويق فكرة الهجرة غير الشرعية، بعمل مقارنة بين شخصين قرارا وأخذا طريقين مختلفين: الأول اتخذ طريق الهجرة غير الشرعية والسفر إلى أوروبا، والآخر قرر أن يفتتح مصنعاً للمكرونة، وقد تضمن الإعلان مشاهد حقيقية لقارب هجرة غير شرعي.

نجد في الإعلان مَن قرر الهجرة نجح في الوصول عوماً لمبتغاه، لكنه عاش هناك حياة المشرّد، يبيت على الأرصفة مع الكلاب، يعمل في غسل الصحون، تطارده الشرطة، أما الآخر فقد حقق نجاحاً باهراً وأصبح من رجال الأعمال!

لذا فإن الرسالة المطلوب تفهمها واستيعابها، هي أنه عليك عزيزي المواطن أن تؤمن بشكل تام وقاطع أن هنا أرض الأحلام والأماني، وأنك إذا عملت بجد لن يضيع عملك سدى، فلا يوجد هنا موظفون مرتشون قادرون على تعطيل أحلامك ولا روتين ممل قادر على إفساد مشروعك لعدم وجود مدام على مكتبها؛ لذا فليس هناك من داعٍ أو معنى لسفرك والهجرة غير الشرعية التي تظهر البلاد وحاكمها بمظهر الفاشلين.

لكن بعيداً عن أن استخدام تلك المقارنة الخاطئة؛ حيث إنها لم تضع في معادلتها أسباب السفر وأتت بزاوية واحدة لتسويق الفكرة، كان لا بد أن تسأل تلك الوكالة نفسها قبل استخدام هذا المثال على وجه التحديد: لماذا يقرر هؤلاء الشباب وهم في بداية حياتهم المخاطرة والرهان على حياتهم والهجرة للخارج؟!

بإيجاز يجازف هؤلاء الشباب بحياتهم؛ لأنهم ببساطة يئسوا تماماً، فقدوا الأمل في بلادهم، يقتلهم شعور الاغتراب وتطاردهم كلمة فاشل؛ لذا يكون حلم البداية الجديدة أقوى منهم.

وإذا أردنا أن نلقي اللوم على أحد فلنلقِ اللوم على مَن حكم مصر وجعلها مقبرة في أعين أبنائها، فالشباب المصري ضحية ومجني عليه، فهو ليس المتسبب عن الفقر والجهل والفساد.

فالمواطن مغلوب على أمره، يبحث في الخارج عن فرصة للحياة؛ لأن في الخارج من السهل أن تجد مسكناً تستطيع أن تتكفل بإيجاره، وعملاً يضمن لك حياة كريمة، بلا خوف من المستقبل، وتستطيع أن تعبر عن أرائك وتمارس حريتك الشخصية والعقائدية بكل سهولة ويسر، فلا تخشى من أحد ما دمت ملتزماً بالدستور والقانون.

(2)

في سنة 1949، وفي ظل حكم الملك فاروق حينما كانت مصر مملكة تقع تحت الاحتلال العثماني والإنكليزي، تحدث الكاتب الراحل طه حسين عن حال شباب مصر في هذه الحقبة الزمنية في مجموعته القصصية (المعذبون في الأرض)، التي تصور وتتحدث عن معاناة وجحيم الفقراء في القرية، ومن إحدى تلك القصص كانت قصة صالح وأمين.

صالح وأمين طفلان في نفس السن، وفي نفس الكتاب، لكن أمين كان ينتمي لطبقة الأغنياء ميسوري الحال، يفعل ما يريد دون أن يذق ويل الخرزانة في الكتاب حتى وإن أخطأ، بل في بعض الأوقات كان يبرر لهُ الخطأ.

أما عن صالح الذي ينتمي إلى طبقة الفقراء المغضوب عليهم، الذي لم يجد شيئاً يستر به جسده الهزيل سوى قطعة قماش بالية، اهترأت أنسجتها من قدمها، كان يهان ويضرب بسبب وبدون سبب، كان يضرب ويذوق الويل في الكتاب؛ لأنه فقير لا يدفع للشيخ المال الكافي ليعمله كإنسان، وفي البيت يضرب ويهان؛ لأن تلك مشيئة زوجة أبيهِ.

لكن لم تمنع تلك الفروق الطبقية بين صالح وأمين من أن يكونا صديقين مقربين لبعضهما البعض، بل كان صالح لا يعرف معنى للسعادة إلا حين يرافق أمين، فكان أمين يحسن التعامل معه، لا يعامله بمنطق السيد والعبد، بل كان صديقين مقربين جداً.

أحب أمين صالح وأحسن إليه، وكان يشعر بمعاناته ويأسى لتلك المعاملة التي يلقاها في الكتاب وفي بيته، حتى إنه حدث أمه في إعطاء صالح ملابسه القديمة ورحبت أمه بتلك الفكرة التي رأيت فيها خيراً لأمين ولصالح.

لكن الغريب هو أن صالح لم يستطع أن ينعم بتلك الهدية التي جعلته يلتزم البيت من فرط الإعياء والتعب، لقد زاد عذابه وذاق ألواناً متعددة من ألوان التعذيب على يد زوجة أبيهِ التي رأت أن صالح ليس بأهل أن يخلع عنه ملابسه المهترئة، صالح غير مؤهل أن يعامل كإنسان، في حين أن أبناءها أحق منه بذلك، وإن لم يكن كذلك فلا يهم فهي من يقرر كل شيء دون محاسبة أو مراجعة!

فلم يجد صالح سبيلاً سوى العودة إلى ملابسه المتهالكة ثم لم يجد معنى لحياته ولتلك الحالة من العذاب والشقاء، فختمها بتمزيق جسده تحت قضبان القطار.

وفي عام 2002، كتب الكاتب علاء الأسواني رائعته (رواية عمارة يعقوبيان)؛ ليعيد إلى الأذهان شخصية صالح من جديد، لكن في شكل مختلف قليلاً مناسب أكثر لروح العصر وطباع المدينة، ربما يكون عبد ربه مجند الأمن المركزي الأشبه بصالح، لكن طه الشاذلي هو التجسيد الحقيقي للمعاناة وتلك النظرة الطبقية المتدنية التي ينظر بها بعض المصريين إلى مصريين مثلهم.

طه الشاذلى ابن بواب عمارة يعقوبيان: الشاب المجتهد الذي يكافح لدخول كلية الشرطة، ويرسم مستقبله على أساسها، لكنه يفشل في آخر اختبار؛ لأن والده يعمل حارس عقار، ثم يذهب حلمه أدراج الرياح، ويدخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، التي يتعرف فيها على شباب في مثل حالته الاجتماعية والمادية، فيستغل الاضطهاد الحادث لهُ في جعله متطرفاً ويتغذى هذا أكثر وأكثر عندما يتم القبض عليه على أثر مظاهرة كانت في الجامعة، وفي أيام الاستجواب يتم هتك عرضه بوضع عصا مقشة في مؤخرته بشكل سادي دون سبب أو مبرر لهذا العقاب المهين، وبعد خروجه ينتمي إلى أحد معسكرات الإرهابيين، ليقتص ممن هتكوا عرضه.

لذا عندما أتذكر هذا الـbanner أو ذاك الإعلان، أرى طه وصالح ومن مثلهما من المصريين يتجسدون أمامي وأعرف أن صالح وطه حاولا أن يقاوما وحلما بالحياة، لكنهما فشلا في تحقيق تلك الأحلام؛ لذا قررا أن يسلكا الطريق المعاكس للحياة مثلهما مثل من يرمي بنفسه في التهلكة ويجرب قوارب الهجرة غير الشرعية ليرى الغد المشرق؛ لأنه إذا لم يكن هناك غد فلا يهم؛ لأنه لم يكن يملك اليوم أو الأمس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.