المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 د. كريم درويش Headshot

أزمة الوفاق في ثورة يناير

تم النشر: تم التحديث:

سرعان ما بدأ التناوش بين قوى 25 يناير بعد عزل مبارك، وما اتضح جلياً هو أن الشيء الوحيد الذي كانوا يتفقون عليه هو عزل مبارك، ولم يكن هناك اتفاق مشترك على ما بعد مبارك، مما ممكن الثورة المضادة من العودة إلى الحكم، لا شك أن الاتفاق بين مكونات الثورة ضروري لنجاحها، ولكن على ماذا تتفق؟

هناك ما يعرف بنظرية التأطير (framing theory) التي تتحدث عن ثلاثة أطر توافق ضرورية لنجاح أي حراك، هذه الأطر هي: ما الهدف من التغيير؟ ما المشكلة التي تعيق الوصول إلى الهدف؟ وما الخطة المتبعة لمعالجة المشكلة؟

الإطار الأول هو الأصعب، وعدم الإجابة الجادة عنه هو السبب وراء تعثر الربيع العربي، كان للمكونات الرئيسية في الثورة أهداف مختلفة (وليست بالضرورة متضادة)، فالإسلاميون يهدفون إلى العدالة المتمثلة في جعل الحاكم محدوداً بحدود الشريعة، والعمال يسعون إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية، والطبقة الوسطى تسعى لتحسين الأوضاع السياسية، وقطاع الشباب يتطلع للحرية.

إذاً، فإن من الناحية العلمية والعملية، كان الإسلاميون يسعون إلى إقرار سيادة القانون، والعمال إلى العدالة الاقتصادية، والطبقة الوسطى والشباب إلى الديمقراطية، كل هذه العوامل (وغيرها) ضرورية لإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، لم تتفاوض المكونات الأساسية للربيع العربي بشكل جاد للوصول إلى توافق أو تراضٍ مشترك، بل للأسف انقسمت وربما استعان أجزاء منها بأعداء الربيع العربي؛ للتخلص من بعض المكونات الأخرى.

السؤال الثاني المتعلق بالمشكلة كان سهلاً، وكانت المشكلة التي يراها الجميع هي وجود النظام القمعي الذي يعيق سيادة القانون والديمقراطية والاستقلال القومي والنمو الاقتصادي، بل ويرعى الفساد والمحسوبية، أما بالنسبة للسؤال الثالث المتعلق بآليات التغيير، فإن أغلب المشاركين في الربيع العربي ارتضوا بأن يستخدموا الوسائل السلمية، ومع تعثر خطى الربيع العربي بدا للبعض أن الوسائل السلمية لم تعد مجدية، فلجأ قطاع ليس بالصغير إلى تأييد العنف كوسيلة للتغيير.

ما تحتاجه الثورة الآن وبشكل عاجل هو الوصول إلى هدف مشترك وواضح وصريح يتفق عليه أغلب أطرافها، غياب هذا الهدف من شأنه إفشال أي حراك مستقبلي، سأحاول هنا طرح تصور مختصر لأهداف الثورة التي قد تلقى توافقاً بين أطرافها، ابتداءً يجب تقرير الآتي، أن الثورة ليست تغييراً سياسياً فحسب، ولكنها تشمل مناحي اجتماعية واقتصادية وثقافية، فبسم الله نبدأ:

أنادي بأن يكون هدف الثورة اختصاراً هو: "إقامة دولة قوية مدنية مستقلة يسود فيها القانون ويحاسب فيها الحاكم".

تفصيل هذا الهدف كالآتي:

- دولة قوية: أو كما يقال اصطلاحاً في العلوم السياسية "دولة حديثة"، تقوم قوتها على مؤسسات بيروقراطية: محترفة (تبنى على الكفاءة حصراً)، مستقلة (غير مرتبطة بالسياسة مباشرة)، محايدة (بعيدة عن القبلية والجهوية ومجموعات المصالح وتجمعات الأغنياء)، خادمة للشعب (لا لنفسها)، تنموية (ساعية لبناء اقتصاد قوي عادل)، موحدة (راعية لهوية مشتركة)، وناشرة للعلم والثقافة في المجتمع، وجود مثل هذه الدولة يجعلها محط ثقة وتأييد الشعب، وتكون قادرة على إنفاذ مآربها.

- مدنية: تكون سلطة الدولة ظاهرة وجلية في الأساس من خلال مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والخدمية والتنموية، في شراكة مع مجتمع مدني قوي، ولا تستعرض السلطة من خلال الأجهزة الأمنية والقمعية في الدولة، فالدول القمعية في الأصل دول هشة فتلجأ للعنف مع الشعب.

- مستقلة: أي متحررة من التدخلات الأجنبية في السياسة الداخلية، ومستقلة القرار في سياساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

- يسود فيها القانون: حيث يكون القانون فيها أقوى من الحاكم ومن الدولة ومن جميع مؤسسات الدولة، ولا يستطيع الحاكم (أو الدولة) أن يشرع كما يحلو له ولا أن يخرق القانون، سيادة القانون تعتمد على وجود شريعة ذات قدسية عند الشعب، ولا يقبل الشعب أن تخرق هذه الشريعة المتأصلة فيه، ويكون أصل سيادة القانون هو الدين.

- يحاسب فيها الحاكم: حيث يكون للشعب القدرة على اختيار الحاكم وتغييره ومحاسبته إذا أخفق أو جار، ولعل الوسائل الديمقراطية هي إحدى أشهر الوسائل الحديثة لتحقيق هذا الهدف؛ حيث تتيح الوسائل الديمقراطية طريقاً سلمياً لاختيار الحاكم وعزله وتغييره وتداول السلطة عموماً، مع مراعاة أن نجاح الديمقراطية يحتاج إلى نشر العلم والثقافة في المجتمع وإلى محاربة الفقر؛ حيث بالإمكان أن يستغل الجهل والفقر في النظم الديمقراطية لنشر المحسوبية والفساد.

لعل السعي لمثل هذه الدولة يكون من شأنه إقامة حكم راشد يتوافق عليه جميع أطراف الثورة، ومن شأنه القضاء على المصائب الأربع التي تهدم الدول، ألا وهي: الفساد، والجهل، والفقر، والتدخلات الأجنبية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.