المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 د. كريم درويش Headshot

كلام في النفس : الثورة الملهمة والانقلاب وداعش

تم النشر: تم التحديث:

تناقش هذه المقالة ثلاثة أمور متعلقة بالثورة المصرية خاصة وبالربيع العربي عامة :

الأمر الأول : شاع في ثورة ٢٥ يناير مقولة أن الثورة المصرية "ملهمة" لأنها "ليس لها قائد" . فهل كان غياب القائد سببا للنجاح أم الإخفاق؟

للإجابة على هذا السؤال يجب الرجوع إلى تاريخ طويل من النظريات العلمية عن الثورات وحركات التغيير . ظهر مع الثورة الفرنسية ما يسمى بـ"نظرية الحرمان" (deprivation theory) ، والتي تقول أن الفرنسيين ثاروا بصورة تلقائية بسبب سوء الأحوال وبدون عقل مدبر . ثم ظهرت "نظرية الحرمان النسبي" (relative deprivation theory) والتي تبرر الثورة بسوء الأحوال المرتبط بارتفاع طموح المجتمع وسقف تطلعاته ، مع الحفاظ على الجزء الآخر من النظرية الأولى الذي يدعي أن الناس يثورون بصورة تلقائية وعشوائية . ثم حدث تطور كبير في النظريات في الستينيات من القرن العشرين مع ظهور حركات مثل حركة الحقوق المدنية ، والحركة النسائية ، والكثير من الحركات الثورية ، فقام علماء الاجتماع بتعديل النظريات القديمة بشكل جذري . ظهرت عندئذ نظرية تسمى بنظرية "حشد الإمكانيات" (resource mobilization theory) والتي تقول أن أي حراك مجتمعي ناجح يجب أن يكون في القلب منه "كيان منظم عاقل ذا هدف واضح يحشد من أجله الإمكانيات لتحقيق نتائج قابلة للقياس" ، وتسمى هذه الكيانات بـ"مؤسسات الحراك المجتمعي" (social movement organizations) . تختلف هذه النظرية عن سابقاتها في أنها تستبعد اجتماع الناس بصورة تلقائية نحو هدف التغيير ، بل يجب أن يكون هناك كيان أو كيانات بالصفات المذكورة في قلب الحراك لنجاحه ، وإذا غابت مثل هذه الكيانات ، فإن الحراك غالبا ما يفشل .

فهل غياب القائد للثورة أو غياب كيانات عاقلة في القلب منها في مصلحة الثورة ؟ بحسب أحدث النظريات ، فإن الإجابة هي بدون شك "لا" .

السؤال الآخر المهم : هل كان هناك مؤسسات حراك مجتمعي في الثورة المصرية أو في ثورات الربيع العربي عامة؟ الإجابة هي بدون شك "نعم" . في مصر مَثَّلَ الإخوان المسلمون أحد هذه المؤسسات ، وفي تونس مَثَّل الاتحاد العام التونسي للشغل أحد هذه المؤسسات . فإن كان وجود مثل هذه المؤسسات ضروري لنجاح الثورات ، فإنه من الطبيعي أن تسعى الثورات المضادة لهدم هذه المؤسسات ، حتى يقضى على الحراك .

الأمر الثاني : من الأمور الشائعة بين الناس أن كثرة القمع والاستخدام المفرط له يولد الانفجار وثورة عارمة ؟ فهل هذا صحيح ؟

للإجابة قام العلماء بدراسة البيئة التي تفلح فيها حركات التغيير ، وتولد عن الدراسة ما يسمى بـ"نظرية الفرص السياسية" (policital oppertunity theory) ، وتقول النظرية أن خمسة عوامل أساسية قد تساعد في نجاح حركات التغيير :
١- ضعف النظام القائم
٢- وجود مساحات للحراك السياسي
٣- انقسام النخبة فيما بينها
٤- تأييد جزء من النخبة للتغيير
٥- انحسار القمع

جزء من هذه الظروف توفر عند اندلاع ثورة يناير ، حيث كان النظام ضعيفا ، وكان الجيش غير راضٍ عن تولي جمال مبارك للحكم بعد أبيه ، وكان هناك ضغط دولي ضد قمع المظاهرات . جاء الانقلاب في ظروف مختلفة تماما ، حيث استطاعت الثورة المضادة من توحيد النخب ضد التغيير من خلال توحيدهم ضد "الإخوان" ، ثم أغلقت مساحات الحراك السياسي بشكل شبه كامل ، ومارس الانقلاب أشد أنواع القمع . الشاهد في الأمر هو أن نظرية الفرص السياسية تقول أن إغلاق الآفاق السياسية وازدياد القمع من شأنه عرقلة وربما شل الحراك تماما ، حيث أن السواد الأعظم من مؤيدي التغيير سيترك الحراك خوفا على نفسه ، بل وقد يؤدي القمع إلى انقسام الحراك حيث يسكن القطاع الأوسع منه ، ويتجه جزء صغير منه نحو العنف ، كما حدث في أسبانيا مثلا (حركة الباسك) . ولكن في الغالب لا ينتج عن القمع انفجار مجتمعي !

الأمر الثالث : هل بزوغ نجم داعش مرتبط بالربيع العربي؟

قد يدفع القمع قطاعا من الحراك إلى العنف، فمن هذا المنطلق قد يكون القمع من أهم المحفزات التي تدفع البعض لتأييد منظمات تنتهج العنف مثل داعش . ولكن الأمر يحتاج إلى تفصيل أكثر . ‪السؤال‬ : هل تتوافق أهداف داعش مع أهداف الربيع العربي؟

للإجابة ، يجب العودة إلى ما يسمى بـ"نظرية التأطير" ‪(framing structures theory)‬ والتي تقول أن أي حراك مجتمعي أو حركة تغيير يجب أن تستشعر ظلما واقعا ومن ثَمَّ تجيب على ثلاثة أسئلة : ما هو هدف التغيير ؟ ما الذي يعيق الوصول إلى الهدف ؟ وما هي الخطة المتبعة لتخطي العائق ؟

السؤال الأول هو الأصعب . فبالنسبة للربيع العربي ، كان للمكونات الرئيسية له أهدافا مختلفة (وليست بالضرورة متضادة) ، فالإسلاميون يهدفون إلى تطبيق الشريعة، والعمال يسعون إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية، والطبقة الوسطى تسعى لتحسين الأوضاع السياسية ، ومن أجل ذلك خرجت شعارات مثل "عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية" و"الشعب يريد تطبيق شرع الله" . ولم تتفاوض المكونات الأساسية للربيع العربي بشكل جاد للوصول إلى هدف أو أهداف ذات اتفاق أو تراضي مشترك ، بل انقسمت وربما استعان أجزاء منها بأعداء الحراك ضد بعض .

السؤال الثاني كان سهلا ، إذ رأى الجميع وجود الأنظمة القمعية عائقا لتطبيق الشريعة وللمشاركة السياسية وللاقتصاد العادل . أما بالنسبة للسؤال الثالث ، فإن أغلب المشاركين في الربيع العربي ارتضوا بأن يستخدموا الوسائل السلمية ، ومع تعثر الربيع العربي بدى للبعض أن الوسائل السلمية لم تعد مجدية ، فلجأ قطاع ليس بالصغير من مؤيدي الربيع العربي إلى تأييد داعش ، ليس لأنها تشترك معهم في الهدف العام ، ولكنها تتفق معهم في ضرورة التخلص من الأنظمة القائمة ، وتنتهج العنف الذي بدى سائغا للبعض للتخلص من الأنظمة . فالتأييد لداعش بالنسبة لقطاع واسع ليس عقديا أو أيديولجيا ولكنه سياسي كما أظهرت دراسة حديثة عن داعش . بل الطريف في الأمر أن الدراسة أظهرت أيضا أن أشد المعارضين لداعش هم من الإسلاميين الذين يفترض أنهم يتفقون مع داعش في الهدف العام !

الخلاصة :
أولا : ليس هناك حركة جادة للتغيير دون كيان أو كيانات منظمة في القلب منه ، ومحاربة أي من هذه الكيانات هو محاربة للتغيير نفسه . وثانيا : القمع فعّال في عرقلة حركة التغيير ولكنه كثيرا ما يفضي إلى عنف غير معلوم المآلات . وثالثا : تأطير الأهداف يختلف عن تأطير الوسائل ، فقد يتفق الناس على الهدف عموما ويختلفوا على الوسائل ، أو قد يختلفوا على الأهداف ويتفقوا على الوسائل ، ولذلك يجب أن يكون التأطير واعيا عاقلا متأنيا وناظرا للمآلات .