المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كمال سليم Headshot

بدائل الدين

تم النشر: تم التحديث:

جاء الدين الإسلامي بالقرآن ليخاطب البشرية كافة، والإنسان هو محور الخطاب القرآني الذي ضبط حركته في الحياة وصان فكره من الزلل وغذى روحه بما ينفعه في هذه الدنيا. وتأتي ربانية الرسالة في كونها قابلة للعيش والتطبيق باختلاف متغيرات الأزمنة والأمكنة، ولكن تكمن إمكانية تحقق الإنسان بالرسالة في الإرادة الواعية الناشئة في ضمير الفرد أن يتلقى الرسالة الإلهية ويعي ما جاء بها ويسير بمقتضاها. والإنسان كل متكامل، مكون من أجزاء ولكنه لا يمكن تقسيمه وتفكيكه إلى أجزاء متناثرة، لذا جاء خطاب الله له متسقًا مع هذه الحقيقة بلا انفكاك لخطاب الله -تعالى- للعقل عن الروح أو الجسد عن العقل. ومن هنا يتجلى فهم المسلم أنه لا إيمان دون عمل، ولا اعتقاد دون شرع مثلما أنه لا جسد دون روح ولا عقل دون قلب. ومن آثار هذا الخطاب على نفس المسلم استواء نفسه، والشعور بمعنى كلي للحياة. فالمسلم يرى لكل لمزة معنى ويرى في الجزئيات تكاملاً يشعره بخالقه الواحد الأحد. ولهذا تجد أن حياة المسلم الموقن برسالة ربه مجموعة الشمل، موحدة الوجه، متكاملة العناصر.

ولكن في عصر مثل الذي نعيش فيه، استبدل جوهر الخطاب القرآني بجوهر مادي، لا يرى إلا المادة ولا يؤمن بالغيب، ولا يرى تكاملاً بين الجزئيات. ولهذا لا يمكن رؤية التكامل والانسجام في هذه الحياة. وقد بينتُ كيف أن المجتمعات الإسلامية حوت داخلها الرؤية المادية للكون حتى وإن كانت مسلمة ولا تزال تقرأ القرآن وتحتفل بعيدي الفطر والأضحى وما إلى ذلك من ممارسات أخذت الفكرة المادية كجوهر مع بقاء ظواهر الإسلام في كتاب لي بعنوان "مسلمون ولكن".

ولهذا كان لا بد للإنسان، في هذا السياق المادي، أن يجد بديلاً للدين الذي كان يشبع حياته ، ولكن ببدائل أشبه بالمسكنات التي لا تعالج المرض بل تخدر الروح وتُعمي عن الحركة الصحيحة للجسد، وتشوش العقل بكثرة المعلومات المغلوطة والاستدلالات الباطلة. ومع الوقت ينسى الإنسان أن به علة ويزيد من جرعة المسكن دونما النظر إلى علاج المرض المؤدي للألم.

ومن أمثلة مسكنات هذه الأيام أو بدائل الدين شيوع محلات الطعام بدرجة لافتة للنظر وتنوع الخطاب الدعائي لها. تجد مثلاً إعلان لكنتاكي يصف الوجبة في الجملة الآتية: قطع الدجاج بالخلطة السرية المقرمشة اللذيذة مع البطاطس الذهبية والخبز الطازج. تشعر وكأن عملية الأكل تحولت لعملية انتشاء مقدسة. وعملية الأكل المتكررة بدون الحاجة لها نشوة تعمل عمل المسكنات لما فقده الإنسان من سكينة متمثلة في غياب قنوات الدين الحقة في حياتنا المعاصرة.

فانتشار محلات الطعام والإفراط في الأكل أضحى لذة بديلة للطمأنينة التى يسكبها الدين في الروح، وتعبر عن الخواء الذي ساد النفوس في ظل الحياة المادية. ومن بدائل الدين أيضًا الاهتمام المفرط بالجسد وضرورة نحته وتناسقه بمقاييس صارمة. وهذا واضح في بوسترات نجوم الغناء وكثير من الممثلين. تجدهم أشبه بالتماثيل الإغريقية القديمة، وكأنها عملية تعبدية أشبه بما كان يحدث فيما يروى في الأساطير اليونانية القديمة عن الآلهة كزيوس صاحب الجسد مفتول العضلات وأفروديت ذات الجسد الفاتن، وما نراه في تماثيل الرومان التي ما زالت شاهدة على عصرها من عبادة للجسد وإنزاله منزلة القداسة.

ولهذا يجب أن يُنظر لمثل هذه الأمثلة من صناعتي الطعام والجسد وغيرهما كصناعة الأفلام مثلاً لا باعتبارهما وسائل بريئة ومحايدة، بل لكونها آثار لفلسفات مادية تعاملت مع الإنسان ككيان مصمت لا تركيب فيه ولا أسرار، هدفه الوحيد إشباع متطلبات جسده، وفي كونها تجليات لتصورات في الحياة تناقض مضمون رسالة الإسلام ومقاصده ونظرته للإنسان ودوره.

وحتى لا أستطرد في الكثير من الأمثلة، فما أريد أن أقول أن كثيرًا من الممارسات التي نراها عادية مثل الأكل وصناعة النجوم وغيرها، هي في الحقيقة تمثل بدائل لما كان للدين الحق من آثار على النفس ولكنها بدائل كالمسكنات لا تشفي مرضًا بل تزيد من حدته في الوقت الذي لا تشعر فيه بذلك لكونك مُخَدرًا بآثار هذه المسكنات.
والله أعلم

ملحوظة:

المقالات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع