المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

هل أنت ذبابة ؟

تم النشر: تم التحديث:

تطير وتحلق حولنا بصفة مستمرة.. وكأنها أرواح شريرة أو أشباح هائمة لا تعرف لها هدفاً ولا وجهة، لا نكاد نستقر في مكان إلا وكانت ضيفاً ثقيلاً علينا شئنا ذلك أم أبينا، هي معنا وهي في كل ما هو حولنا، نبتعد عنها فتقترب منا وكأنها تعاندنا، نهرب منها ونقطع المسافات لنجدها أمامنا وكأنها لنا بالمرصاد، هي في كل مكان حتى في أكثر أماكننا خصوصية، تحوم وتحوم حولنا وكأنها جواسيس تلاحقنا وتسجل لنا خطواتنا وحركاتنا وسكناتنا دون أن نعي وندرك، لا أعتقد أن هناك حضارة على وجه الأرض قد خلت منها، ولا أعتقد أن هناك كائناً بشرياً لم يتعامل معها ولم يرَها أو على الأقل لم يسمع عنها، هي مزعجة لدرجة الجنون، تُفقد الكثيرين صوابهم لدرجة أنهم قد يستسلمون لها ولإلحاحها فتراها تسير وتتمخطر وتتهادى على أجسادهم ووجوههم وكأن أجسادهم ووجوههم وكل شيء في الكون هو أرض لها وملكية يحق لها أن تعبث فيه وأن تأخذ منه ما ترغب فيه وما تشتهيه، هذا هو بكل بساطة "الذباب".

حشرات صغيرة نصرف من أجل القضاء عليها مليارات الدولارات، ومع ذلك هي مستمرة وتظل دوماً ولا تنتهي، حشرات تعيش معنا وبيننا وكأنها جزء من حياتنا، نراها بشكل يومي ونتعامل معها دائماً، مع ذلك لم أسمع من أحد في كل حياتي من يقول لي إن الذباب مفيد وأن له من الفوائد كذا وكذا، مع أنني بحثت فلم أجد أثناء بحثي الجواب الشافي غير أنها علاج، وذلك أمر غريب ولكنه كافٍ، الكل يشتكي ويتذمر منه، ويعترض على وجوده وقد يتمادى البعض فيعترضون حتى على خلقه وما أكثر ما نعترض قائلين: لماذا خلقه الله؟ ولماذا هو موجود؟ أسئلة كثيرة قد لا يكون لبعضها إجابات واضحة ومباشرة ودقيقة ليس لكونها مجرد حشرة بل لقصر رؤيتنا ومفهومنا وقلة إدراكنا ليس في الذباب فقط بل في كل شيء وأعني هنا كل شيء، ومع حقارة هذه الحشرة في نظرنا وصغر حجمها وأنواعها التي تصل لأكثر من مائة نوع فإن لها من الإمكانات ما هو غريب وعجيب فمثلاً: لا معدة لديها، قلبها ينبض أكثر من 1000 مرة في الدقيقة، عمرها لا يتجاوز عدة أيام، قدرتها على الطيران غريبة، لديها ما يشبه المكنسة الكهربائية، أمور كثيرة لم نفكر يوماً فيها أو حتى أن نعطي أنفسنا فرصة لكي نتأمل، سواء كان تأملنا للذباب أو لغيره من الأشياء التي لا نرى إلا أنها قد خلقت فقط لتنغص علينا حياتنا وتخرجنا عن طورنا.

حسناً.. ماذا لو قلت لكم أن كل واحد فيكم مجرد ذبابة! نعم كل شخص فيكم عبارة عن ذبابة، لا أقصد هنا التعميم، فالتعميم مرفوض جملة وتفصيلاً ولا أقصدكم شخصياً فمقامكم كبير وأكن لكم بين ثنايا قلبي كل احترام وتقدير، ولا أقصد في تشبيهي هنا تلك الصفات التي ذكرت أو أنكم تطيرون بطريقة عجيبة أو أنكم تمتلكون مكنسة كهربائية، أنا أقصد أنكم مثل الذبابة كذبابة! بالتأكيد ستغضبون وستعترضون على كلامي وسترون أن ذلك ضرب من الجنون والتيه، هذا وارد وأمر مفروغ منه، وقد يتطاول البعض علي لأنه شعر بالإهانة أو سيشعر وكأنني قد قللت من قيمته ومسست بكرامته وأخرجته من مكانته المرموقة وصنفته في مجرد حشرة، معكم كل الحق، وكل ردود الفعل مقبولة ومسموح بها ولكن دون مساس بالخطوط الحمراء ويا ليتنا نبقي الخطوط الحمراء حمراء، والأفضل من ذلك كله التمهل والانتظار حتى نتعرف على الدوافع والنقاط التي تجعلني أقول ذلك وأصر عليه عملاً بمبدأ: إذا عرف السبب بطل العجب.

سأتحدث عن نفسي للأسف ومن يشبهني فأنا أرى نفسي وأرى الكثيرين ممن يعيشون حولي في كل مكان أذهب إليه مجموعة من الذباب نعم نحن ذباب، وقد يتساءل البعض أو الكل: ولماذا اخترت الذباب؟ لماذا لم تختار سواه من الحشرات؟ سؤال جميل يدل على الاهتمام بالموضوع وقبوله مبدئياً من السائلين مع بعض التحفظات، اخترت الذباب لأنه قد يكون الوحيد الذي لا تستطيع استرجاع منه ما سلبك إياه مهما كنت ومهما كانت قدراتك وإمكانياتك ومعارفك ومحسوبياتك ومقامك ومهما علا شأنك، إضافة إلى أن الذباب لا يفرق بين غني وفقير وجاهل ومتعلم فالكل لديه سواء والكل له مشاركة الذباب في حياته، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}.

فلنتأمل الآية ولنتأمل حال الذباب.. ألا ترون أن البعض منا يسلب ما ليس له فيه حق، وهنا تظهر الطامة الكبرى، فالذباب قد خلق ليسلب وهذه حياته وهذه طريقته للحياة وهو مسخر لذلك ومهيأ، أما نحن فبشر لدينا من الأحاسيس والمشاعر ما لدينا، ولدينا من العقل ما نتميز به عن سائر الخلق، ولدينا الدين الذي يقومنا ويبين لنا الحلال والحرام، مع ذلك نسلب وما أكثر ما نسلب، بداية من سلب المشاعر والأحاسيس إلى سلب الأفكار والمعارف وسلب المال وسلب الحقوق إلى سلب الكرامة وسلب الأوطان، نعيش حياتنا لكي نسلب ونسلب، سواء عرفنا ذلك ووعينا له أم لم نعرف -السلب هو ما يُسلب ويؤخذ قهرًا- والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن فيما مضى من حياتنا التي عشناها وتلك الأيام التي مضت وولت وبقي منها ما بقي لم نسلب شيئاً؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه حتماً، وسنفكر كثيراً لنكتشف أننا حتماً قد فعلنا، هل منا من عاش دون أن يسلب أي شيء حتى لو كان مجرد إحساس بسيط أو مشاعر أو حتى لقمة كان غيره يفكر فيها أو يشتهيها؟ ألا توافقونني الرأي أننا وبدون استثناء قد فعلنا ذلك حتى لو بصورة بسيطة، ليس بالضرورة أن يكون ما فعلناه مقصودًا أو متعمدًا! أنا على يقين أنه لم ينجُ من ذلك إلا من رحم ربي.

لنفكر في حياتنا الحالية التي نعيش لحظاتها الآن ولنتأملها ولنرَ هل اختفى فيها السلب؟ هل نحن على درجة كبيرة من الحرص والحذر، بحيث أننا لا نأخذ إلا ما هو لنا أما ما عدا ذلك فلا وألف لا؟ قد تقول ويقول معظمنا: أنا ممن لا يسلبون، هذا أمر طبيعي وبالتأكيد لا أتهم أحدًا منكم، ولكن فلننظر إلى من هم حولنا حتمًا سنجد أن هناك الكثير من الذباب الذي يسلب دون مراعاة أو تقدير أو وعي أو تفكير، يسلبون ولا يخافون في الله لومة لائم، حتى عندما تعترض على ما يسلبونه منك وتخبرهم بذلك وبأن ذلك لا يصح ولا يجوز أو بمعنى آخر تكشهم أو تهشهم أو تنشهم سيطيرون بعيداً عنك وماهي إلا لحظات ليعودون دون أي وازع أو ضمير، مجموعة من الذباب الذي لا يهمه مبيدًا ولا يؤثر فيه التهديد أو الوعيد، انظر حولك إلى عدد الذباب من بني البشر بالتأكيد ستعجز عن حصر العدد، ستجدهم حولك بأنواع وأشكال مختلفة، نعم يسلبون منك ما هو لك، تسعى وتحاول أن تسترجعه وتقدم من الجهد والمال وحرقة الدم الشيء الكثير ولكن لا مجال فما سلبه الذباب لا يعود، لا تجدي الوساطات ولا الأعراف ولا الأخلاق ولو تخلصت من ذبابة فهناك الملايين منها.

الذباب أنواع كثيرة وأشكال مختلفة، هو بالنسبة للإنسان مقرف ومؤذٍ، كذلك حال بعض البشر، هم بشر ولكنهم أشبه بالذباب فهم مقرفون ولديهم القدرة على الإيذاء بشكل كبير، عندما تهشهم يرجعون إليك غير مبالين إن كانوا مرحباً بهم أو لا، يتطفلون عليك في كل وقت وفي كل حين، أثناء صحوك وعند المنام، في الحزن والفرح في السعادة والترح.. ببساطة هم معك في كل أحوالك إن منعتهم من الدخول إلى حياتك ستجدهم ينتظرون على بابك، هم ذباب لا جدوى ولا سبيل للتخلص منهم مهما كافحت وحاولت، في كل مكان تجدهم، هم دائماً معك، لا يكتفون بالسلب فقط فالبعض منهم مصدر إزعاج حتى وأنت في أكثر الأوقات سعادة وفرحًا.

يشبه بعضنا الذباب حتى في تنوع الأساليب الموجودة لديه، فكلنا نعرف أن هناك ذبابًا كبيرًا وآخر صغيرًا، ذبابًا يلتصق بنا وكأننا ملك وذباب تشعر وكأنه فاقد للوعي، وذباب مجنون يطير هنا وهناك لا أدري إن كان يعتقد في قرارة نفسه أنه نوع من المقاتلات الحربية التي تخترق الأجواء المحيطة بشخصكم الكريم وخصوصاً الأجواء المحيطة بمنطقة الأذن، حال بعضنا تماماً مثل ذلك، نحن بني البشر نتشابه في الحجم فأحجامنا الظاهرية متماثلة تقريباً، أما فيما نملك من قيم وأساليب وتصرفات فنختلف، البعض عملاق والبعض مجرد ذبابة وثالث ورابع وخامس فيما بينهما.

"الاستهبال" أو "التناحة".. ظاهرة بشرية قد لا يعرفها الحيوان ولا يتعامل بها ولا يفهمها أصلاً، ولكن الذباب يفعل ولا أدري هنا أي ذباب أقصد، هو يُظهر لك أنه معتوه وأنه متخلف عقلياً، وإليك تجربة عملية للتحقق من هذا الأمر، حاول أن تقف بالسيارة في أي مكان فيه ذباب، افتح شباكًا واحدًا في السيارة أو حتى جزءًا منه وانتظر للحظات، ستجد أن الذباب قد بدأ يدخل ويقتحم سيارتك بالعشرات وأحياناً بالمئات، حسناً. تحرك بالسيارة وأترك جميع الشبابيك مفتوحة، حاول طرد الذباب أو التخلص منه ستجد أنه يدور داخل السيارة وكأنه لا يعرف طريق الخروج فيجعلك تنفعل وتحاول المستحيل معه لكي يخرج، تهشه وتضربه وتفتح الشبابيك وتغلقها، ترتسم على وجهك ابتسامة النصر لأنك تخلصت من إحداها وتثور وتغضب عند ظهور واحدة أخرى، هو يدخل من فتحة صغيرة ولكنه عند الخروج يُظهر لك هبله أو استهباله وكأنه يقول لك: أنا لا أعرف طريق الخروج، دقق في ذلك ودقق في أفعال بعض البشر ستجد أنهم ذباب يقتحمون حياتك بشتى الصور مستخدمين نظرية الذبابة والسيارة وأحياناً لن تضطر لأن تترك لهم شباكًا مفتوحًا لأن بني البشر لديهم القدرة على الاقتحام حتى من بعيد.

بعد مراجعة نفسي ومراقبة غيري تأكدت أنني بشر ولكن بداخلي ذبابة وما أكثر الذباب، إلا أنني أتمنى أن أكون من ذلك النوع الصغير من الذباب الذي لا يظهر إلا على الفاكهة، حتى وإن كنت كذلك سأحاول جاهداً أن أتخلص من تلك الذبابة التي بداخلي وأن أحرص على ألا أسلب شيئاً ولو أن ذلك ضرب من المستحيل، فقد فقدنا العديد من القيم وأصبحت الأخطاء هي الأساس والأساس هو الخطأ، أصبحنا نرى الأمور غير الأمور وكل شيء أصبح متاحًا واختلف المقياس كما اختلف المنظور، كل شيء، عادي نسلب، عادي نكذب، عادي ننافق، العادي هو الأساس والمسميات أصبحت ليست هي المسميات، تغيرت المفاهيم والقيم، نعيش كسرب كبير نقلد وكفى وياليت التقليد فيما هو مفيد، تتحدث مع أحدهم فيقول لك عادي حتى القتل أصبح عاديًّا، ولا أتحدث عن القتل كقتل فالفتنة أشد وأقوى، لن أطيل عليكم فما أطرحه مقرف كونه يتحدث عن الذباب، لكن ليس كل ذباب ذبابًا، فما سخر ليكون ذباباً له كل الحق فيما يفعل أما ما سواه فليس لدينا ما نقول سوى أن نسأل الله أن يكفينا شرور أنفسنا وشرور الآخرين، وبما أن الموضوع عن الذباب فقد رأيت وتأملت صورة أعجبتني فيه حتى مع كونه ذبابًا، عندما نرش الذباب بالمبيدات الحشرية نجده ينقلب على ظهره ويلف لفترات طويلة قبل أن يموت، تخيلت نفسي وأنتم معي لكم أن تتخيلوا أننا نفعل تلك الحركة ولكن نفعلها ونحن نضحك لننسى هذه الدنيا وهمومها وذبابها، الضحك مهم حتى لو كنا نضحك على حالنا، المهم أن نضحك، ولكن وأنت تضحك عليك الانتباه وتأكد من أن فمك مغلق فهناك دائماً ذباب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.