المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

الرحمة حلوه

تم النشر: تم التحديث:

في مكان ما في عالمنا العربي، وفي ساحة من الساحات بالقرب من الشوارع الضيقة والزنقات التي تنتشر هنا وهناك، وبينما الناس يعيشون حياتهم اليومية بكل أشكالها البسيطة الصعبة، السهلة المعقدة، نشاط وهمة، نكد وغمة، سعي وكد وتعب، بحث عن لقمة العيش، عرق، غرق، ألم، معاناة.

أناس تبحث هنا وهناك، منظر نراه يومياً لا يحتاج منا إلى وصف أو توصيف ولا شرح أو تعريف فكلنا نعاني إلا قلة، في قمة انشغال الناس بالبحث عن قوت يومهم الذي أصبح وبات شغلهم الشاغل وسبب لمعظم إن لم يكن لكل المشاكل، وفي وسط الهرج والمرج دوى صراخ امرأة وملأ بموجاته الحادة المكان : ثعبااااااااان. ثعبااااااااااان. الحقونيييييي. ثعبااااااااااان .

فزع الجميع وكأن ما سمعوه دوي لصفارة إنذار تحذر من هجوم بربري قد أذن وحان، بدأ الناس في الركض لمكان تلك المستغيثة وكأن كل منهم فارس يسعى لإنقاذ الأميرة من نار ذلك التنين الذي سينفث ناره في التو واللحظة ويحرق كل ما حوله، الجميع يركض، الجميع يترقب، البعض يقف ويتفرج، منهم من يُهَمهِم ومنهم من يتمتم، ومنهم من يتعوذ ومنهم من يفتي، ومنهم من يسأل، ومنهم من يشرح ما يحدث مع إضافة القليل من الدراما والأكشن، ونحن أساتذة الأكشن وأصحابه.. على رأي المثل: أكشنها.

أما الفرسان منهم فقد توجهوا إلى قلب الحدث مباشرة مدججين بالأسلحة: عصي، قضبان حديدية، مكانس، حجارة، طوب، شباشب، كراسي، صناديق خشبية، سكاكين، سيوف، بنزين (لو كانت الأسلحة النارية مصرح باستخدامها لوجدنا دبابات وطائرات وسفن حربية تحوم وتطوق المنطقة)، فنحن نعيش في عالم غريب مع أناس غرباء المنطق والتفكير، أي شيء يصلح للنيل من العدو وكل شيء يجب استغلاله، الكل يضرب، ينقض ويهرب، مشهد وصفه عنترة في قصيدته: مكر مفر مقبل مدبر معاً كجلمود صخر حطه السيل من عل (كنت دائماً في طفولتي أتساءل: من علي الذي ذكره عنترة في قصيدته وما صلة القرابة بينه وبين عنترة).

الناس ينقضون على الثعبان ويضربون بكل ما لديهم من قوة وعزيمة وإصرار، يضربون ولذلك الجسد النحيل الطويل يقطعون ويمزقون وينهشون، الناس متحلقون، يشاهدون ويشجعون ويوجهون ويحذرون ويقولون ما لا يفعلون، ابتسامة عريضة ترتسم على وجوه حماة الحمى والنخبة من الأبطال، لقد تم قتل الثعبان (خلدت تلك الانتصارات ببعض الفيديوهات والسنابات والإنستغرامات والسيلفي وما صاحبها من تصفير وتصفيق وتهليل وتكبير وتهاني)، تم الانتهاء من الموقعة وانحصرت الأضرار ببعض الكراسي المكسورة وتلف بعض البضائع المعروضة وبعض الكاسات والصواني وفاكهة وخضار تنتشر على الأرض، ولكن كله يهون في سبيل التخلص من العدو الغاشم الغدار (تخيلوا معي هذا المنظر والأغاني الحربية والحماسية تعمل في الخلفية).

هذه صورة مما يحدث في عالمنا العربي، صورة لا تقتصر على ظهور ثعبان أو أي نوع من أنواع الحيوان (الحيوانات المؤذية بالتأكيد) ولكنها أيضا تنطبق على ظهور من يخطئون من البشر وما أكثر ما هم، على رأي المثل: زي الهم على القلب، من يخطئ سيطبق عليه نفس السيناريو السابق ولكن الأمر لن يصل للقتل مع أنه في بعض الأحيان قد يصل إلى ما هو أسوأ من ذلك ويكون القتل رحمة ورأفة، من يخطئ سيهجم عليه من لا يرحم من المعنيين بالأمر ومن غير المعنيين، يكفي أن يعرف أحدهم أن شخص قد أخطأ سيكون لديه بذلك سبب كاف وتصريح مفتوح لكي يدخل غير المعني بالأمر ليقدم ما لديه من قائمة الإمكانات والوسائل: شتائم ـ صفعات ـ لكمات ـ شلاليت ـ رفسات ـ ركب ـ ضربات رأس ـ لوي ذراع ـ بصق ـ صراخ ـ ردح ... أي شيء، المهم أن يُقدم شيئاً ويا سلام لو كان صاحب سلطة أو ذا مركز مرموق من مراكز الشرط والنجوم والتيجان، المهم أن يُفرغ ما بداخله، المهم أن يُثبت أن ذلك الذي أخطأ من الحثالة وأنه هو من أصحاب المقامات ومن غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وأنه من طبقة المعصومين من الخطأ وأنه من الصالحين، المهم أن يشفي غليله في أمر لا يعنيه ولا يمت إليه بصلة، وكأنه ينتظر فرصة لإخراج ما بجعبته من حقد وغل وكراهية وبغضاء، نفعل ذلك أو يفعله البعض وكأننا جميعاً شرفاء أو بمعنى أدق ملائكة تسير على الأرض ومن يخطئون هم الشياطين الذين لابد أن يُرجموا وأن تطبق عليهم أقصى العقوبات ولا يُرحموا.

أذكر مرة أنني حضرت حادثة سرقة (سرقة بسيطة ولكنها سرقة فالخطأ خطأ) تم القبض على السارق وتم شد وثاقه في الشارع من قبل الأهالي وربط في عمود النور، التف عليه الناس وأصبح للمشهد جمهور، الناس يتفرجون في جنون وكأنه من غرائب المخلوقات وعجائب الموجودات، كاميرات التلفونات تصور الحدث الجلل وشير على كل ما هو متاح من وسائل التواصل الاجتماعي وحمل عاليوتيوب... ما علينا ...

يأتي أحدهم ويسأل: هو فيه إيه؟ الناس دي متجمهرة على إيه؟ مين الرجل ده وحكايته إيه؟ فيرد عليه أحدهم أو بعضهم فالكل يريد أن يقول وأن يحكي لأن من يسمعون قلة: حرامي كان بيسرق ومسكوه. هذه العبارة كافية لأن يطلب السائل من الجميع أن يفسحوا له المجال للدخول إلى المنطقة الحميمية للسارق... يدخل صاحبنا ليثبت للناس ذكورته وقدراته وحجم عضلاته وشرفه ونبل أخلاقه، حرامي يا كذا وكذا وكذا، مفيش خوف من ربنا، أنا حخليك تبقى تعرف تسرق إزاي بعد كده، أنا وأنا وأنا (تستطيع وضع ما لذ وطاب من العبارات البذيئة والشتائم القذرة فكلها موجودة وأصبحنا نسمعها في كل مكان وعلى عينك يا تاجر نسمعها من الكبير والصغير والذكر والأنثى دون أي إحساس أو حياء).

ومع كل كلمة وعبارة ومع كل حركة يتحركها اللسان تعمل الإيد بكل حرفية وفن وإتقان، أي شخص يخطئ في عالمنا النامي سيلقى تقريباً نفس المصير، يختلف الأمر بحسب تحضر الدول وتمدنها وثقافة شعوبها ويا ويل يا سواد ليل لو وقع في إيد ناس لا يعرفون الدين أو أنهم يعرفون عنه مجرد اسم دون قلب ويقين، حيخلوه يشوف تاريخ حياته من أول دقيقتين أو كما يقال في الأمثال الشعبية: حيشوف أمه عروسة .

السؤال هنا: لماذا يحدث ذلك؟ ولماذا نبحث عن فرصة لننفجر في الآخرين دون وجه حق إنسي كان أم حيوان أو حتى جماد؟ لماذا نتجبر على كل شيء؟ الطبيعي أنه لو تم القبض على مذنب أن يسلم للدولة بأجهزتها المعنية وهي من تتعامل معه بما لديها من قوانين ولوائح وانتهى الأمر، لكن أن ننتقم منه بالشكل الذي نراه فذلك أمر غريب ويحتاج إلى وقفة لأن ما نراه يدخل تحت ما يسمى بالعنف والهمجية والوحشية والقسوة والانتقام والتجبر والتسلط... (صفات كثيرة يصعب حصرها ليست موجودة إلا في القواميس البشرية).

ما أسباب ذلك؟ هل هي:
ـ الأوضاع الاقتصادية المزرية التي يعاني منها عالمنا العربي والدول النامية عموماً والتي يحملها المواطن على كاهله؟ وارتفاع أسعار كل شيء إلى الضعف وأكثر من ضعف الضعف؟ بينما المرتبات (الله بالخير) على رأي أخواننا في الخليج .
ـ ضغوط الحياة والمسؤوليات المتلاحقة التي تلتف حول رقبة الفرد وكأنها مشنقة قد نصبت له، كل ذنبه أنه إنسان يريد العيش بأمان بأبسط الأمور وأيسرها وأقلها؟
ـ أزمة أخلاق وموروثات ثقافية تالفة وبالية، عادات وتقاليد سيئة نربي عليها أجيال وراء أجيال .
ـ انعدام الدين مع إن الدين موجود في عالمنا العربي بشكل كبير (لكن لمن يفهم الدين بالشكل الصحيح).
ـ عنصرية وقبلية وتحزبات وتوجهات فكرية؟
ـ طاقات مكبوتة ؟
ـ سبيل للدخول إلى الجنة ونعيم الله والتسابق على فعل الخيرات ونيل الحسنات كما يظنون ويظن بعضنا (إن بعض الظن إثم).
للأسف كل ذلك وأكثر جعل من معظمنا وحوش ضارية دون أن ندري، وحوش تنتظر فرصة لتنقض فيها على من تسول له نفسه بالخطأ حتى لو لم يخطئ عملاً بالمثل الذي يقول: الحكم فرحة حتى لو على فرخة، يكفي أن يخطئ أحدهم في عدم انتمائه لجماعة من الجماعات أو حزب من التحزبات أو فريق من الفرق حتى ولو كان فريق كورة أو أي شيء.. يكفي أن يختلف معنا حتى في مجرد الرأي ليستحق التنكيل والويل والثبور.

ما الحل إذاً؟ الحل هو التفكير والتذكير والمناقشة وإيجاد الأسباب والدوافع لتلك الفوضى العارمة بدلاً من التبرير الذي لا معنى له، نريد التفكير بدلاً من التكفير، التحاور بدلاً من التخابر... نشر المحبة والسلام وأن لا ننظر إلى من هو ليس معنا على إنه عدو لنا يستحق الإعدام أو التنكيل وقلة الاحترام، حتى لو اختلف معنا في شيء تافه كمشاهدة فيلم من الأفلام.. فلنغير نظرة أن من يختلف معنا في أي شيء لابد ان يكون له حساب عسير وأن نهار أبوه اسود وليل أمه طويل . حسبي الله ونعم الوكيل .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.