المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

هوى ليرتقي

تم النشر: تم التحديث:

في كشك الولادة تصرخ من شدة الألم، لا تتذكر إلا كلمة يا رب، كم هو متعب ألم المخاض، وضعته بعد أن حملته في بطنها تسعة أشهر، أمدته فيها بكل ما تملك وأمدها هو بالقوة رغم ضعفها، باركت لها الممرضة مبتسمة: ألف ألف مبروك صبي مثل القمر ما شاء الله، بكت الأم فرحاً به، ضمته إلى صدرها الحنون، صغيري جئت إلى دنياي لتنيرها، هو الابن الأول أو كما يسمونه البكر، منحته كل ما تملك، الحب والحنان والرعاية والاهتمام، على مدار الساعة واليوم كانت متواجدة له ومن أجله، انقلبت موازينها فهي تعيش له بعد أن كانت تعيش لذاتها،

أيام وشهور مضت لم تشعر إلا وهي تجهزه لأول يوم في المدرسة، ألبسته أجمل الثياب، احتضنته فرحة سائلة له التوفيق، كبر وبدأ مشوار حياته، توالت الأيام وانتهت المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية ثم ها هو يتخرج من المرحلة الثانوية بتوفيق الله ودعواتها واجتهاده، لقد أصبح شاباً يافعاً متميزاً، رأت فيه ما تريد أن تراه كل أم في فلذة كبدها، هو المستقبل وهو الحلم وهو الأمل وهو الحياة بكل معانيها.

أمي أريد أن أكمل تعليمي الجامعي في الخارج، هل تسمحين لي بذلك؟

ولدي يامن سكنت فؤادي أنت صاحب القرار وهذه حياتك ومستقبلك، إذا عزمت فتوكل على الله.
في المطار تودعه ودموعها تسكن بين مقلتيها وما فاض منه ينساب على خديها، تدعو له بالتوفيق والنجاح، تسأل الله أن يحفظه ويحميه من كل ما يؤذيه، قبل يديها ورأسها ورحل، رحل ليبدأ مرحلة تحمل المسؤولية فالسفر يغير شخصية الإنسان ويعودها على الالتزام، سافر إلى حيث أراد ورغب، بدأ مشواره العلمي في أرقى الجامعات، تحملت الكثير من أجله، كافحت وحاربت، سهرت وتعبت لكي توفر له ما يعينه ويكفيه، لم تطمع في شيء غير أن يسعدها بتفوقه ونجاحه وهداه وصلاحه، الأب حاضر غائب، هو من أولئك الآباء الذين لا يهتمون إلا بشؤونهم الخاصة،

لا يعرف شيئاً عن ابنه، لا يريد حتى أن يشغل باله بذلك، كم هم كثر مثل هؤلاء الآباء، في كل إجازة ينطلق الشاب مع أصدقائه لاكتشاف كل ما هو مجهول بالنسبة إليه وإليهم، حاله كحال غيره من الشباب يسعدون بعيش المغامرة ويتوقون للذهاب لكل الأماكن واكتشاف كل ما يمكن اكتشافه، هي تعلم أنها غرست فيه القيم والأخلاق الحميدة، تثق فيه ثقة عمياء، تعلم يقيناً أنه لن يغضب ربه، لن يلحق الأذى بنفسه، لن يرضى أن تراه إلا بأحسن صورة، السنوات تمضي وهو يتقدم في دراسته، دعواتها لم تتوقف وقلبها ينبض بحبه ليل نهار، لم يقصر معها في شيء كما فعلت، أحبها واحترمها ووضعها تاجاً على رأسه، بالتأكيد هناك فرق بين ما قدمت وما يقدم لكنها قنوعة راضية بالقليل، في كل إجازة كان يسافر إلى أماكن ودول مختلفة للتعرف على ما فيها من ثقافات وحضارات وطبيعة، في هذه الإجازة قرر السفر إلى مصر ذات التاريخ العريق، زارها من قبل في صغره ولكنه الآن مختلف، لديه القدرة على الاستيعاب والتأمل والتعلم والبحث، استأذن منها فلم ترفض وكيف ترفض لمن تحيا من أجله طلباً، ما يفرحه يفرحها وما يسعده يسعدها.

اتفق مع صديق له على القيام بتلك الرحلة، مصر تستحق الزيارة، مليئة بالحضارات، الحضارة الفرعونية بأهراماتها ومعابدها ومقابرها، ما تعاقب عليها من حضارات يونانية ورومانية وإسلامية، أراضيها الشاسعة بطبيعتها الخلابة، شواطئها جميلة وصحاريها مميزة كالصحراء البيضاء والسوداء، أماكن يعجز اللسان عن وصفها، نيلها الذي ينساب في وسطها وكأنه شريان يمدها بالحياة عابراً قاهرة المعز، أضيئت إشارة ربط الأحزمة استعداداً للهبوط، فتحت الأبواب، بدأت رحلتهم إلى أرض الكنانة تصاحبهم دعوة الأم ودخلوها بسلام آمنين.

في الفندق طلبا غرفة في الأدوار العليا فهما يريدان التحليق، لا يريدان العادي ولا يبحثان عنه، يريدان أن يكونا في أجواء مميزة بعيداً عن كل شيء، يريدان رؤية الفضاء حيث لا حدود كأحلامهم، المنظر خلاب من الأعلى، يريدان الشعور بأنهما فوق الجميع وأنهما ليس كمثلهما شيء، المباني في الأسفل قد لونها التاريخ بلون عتيق، وضعا الحقائب وعلى الفور قفزا إلى الشرفة، منظر لا يمكن تفويته، من ذلك الارتفاع الشاهق، غرفتهما في الدور السادس عشر، كل شيء في الأسفل يبدو صغيراً حتى تلك العمارات التي تحيط بالفندق، لابد من توثيق هذه اللحظات، لابد من مشاركتها مع العائلة وكل من يتابعون منصات التواصل الاجتماعي، أمه تتابعه لحظة بلحظة عبر السناب شات، يرسل لمتابعيه ويخبرهم أين هو وماذا يفعل،

يريد من الجميع مشاركته وأن يكونوا معه وحوله، نعم أراد مشاركة الجميع فلبى الجميع النداء، لم يتأخر منهم أحد، اجتمع كل أفراد العائلة، كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونساؤهم في منزل أمه، اجتمعوا لمواساتها فالمصيبة جلل ووقعها على الجميع أليم، لم تكن تتخيل أن يحدث ذلك ولم تصدق أن ما حدث قد حدث، تبكي وتصرخ والجميع من حولها يبكون، تناديه لعله يجيبها ولكنه أمامها بلا حراك، ملتف بذلك القماش الأبيض بعد أن أحضروه إليها لتودعه الوداع الأخير، تسأل الله الرحمة له والرأفة بها، تتحسس وجهه البريء بيديها وتخاطبه والألم يعتصرها: ابني لمَ تركتني وحيدة؟ لمَ ذهبت؟ كيف سأعيش من بعدك؟ كنت أعيش لك ومن أجلك فكيف ستهنأ لي حياة لست فيها إن كان هناك حياة من بعدك؟ يا رب أنت أرحم به مني فارحمه برحمتك، الجميع حزين على ما حدث، لم يتخيل أحدهم للحظة أن يحدث أمر كهذا، ما حدث أمر لا يصدق ولكنها الأقدار،

في تلك الشرفة وقف ليلتقط بعض المناظر ويوثق الذكريات ويشارك من يتابعونه، أسند ظهره على حاجز الشرفة، كاميرا الفيديو في وضع التسجيل، يخاطب أمه طالباً منها رؤية ذلك المنظر، هو والقاهرة والفضاء، اختل توازنه وسقط من الشرفة، هوى وهو ينظر إلى السماء مخاطباً ربه طالباً منه المغفرة فقد علم أن الأجل قد حان، صديقه يشاهد ما يحدث، يقف لا حول له ولا قوة، مات من جراء تلك السقطة، انتهت حياته وفقدت الأم من كان يحييها، كان قلبها الذي ينبض ودمها الذي ينساب في عروقها ونور عينيها، سقط ولفظ أنفاسه وإنا لله وإنا اليه راجعون.

قصة حقيقية وقعت لأحد أفراد عائلتي، توقفت عندها كثيراً، هوى وانتهى أجله وتلك محنة لكنها منحة وحكمة، كم غيره ممن هووا وماتوا وهم أحياء، شباب كالزهور قتلوا أنفسهم بالمخدرات، بإتباع الشهوات، بالتخلي عن التعليم والقيم والعادات، بالانسياق وراء الشيطان والتسليم له قلباً وقالباً، بعضهم قتلته الأوهام، وبعضهم انساق وراء خفافيش الظلام، والبعض التمس مذهباً لا يرى فيه إلا حلالاً أو حراماً،

وتلك الأجهزة الملعونة التي قتلتنا جميعاً وقتلت كل جميل فينا، عاكفون عليها بانتظام، ما زالت الحياة أمام كل حي، إما أن نحافظ على أنفسنا وما يتعلق بها وإما أن نسقط مع الذين سقطوا، ويا ويل من كان عن الصحو غافلاً وأدركته المنية، بيدنا القرار ولنا حرية الاختيار، أما الأجل فهو من يكتب الأعمار، سبحانه مقدر الأقدار، له في كل شيء حكمة، اللهم لا اعتراض يا عزيز يا جبار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.