المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

النهر يشرب منه الكلب والأسد

تم النشر: تم التحديث:

لا يكاد يخلو جزء من أجزاء الكرة الأرضية منها، مع تشابهها واختلاف أنواعها، عاشت في كل مكان، أي مكان رأته مناسباً لها ولإمكانياتها عاشت فيه، عاثت، صالت وجالت، اتخذت منه مسكناً لها تأوي إليه وتبنيه، لا تغادره إلا لو اضطرت لذلك اضطراراً بحسب العوامل والظروف، لكنها قد تتخلى عنه دون سبب معلوم أو أمر ظاهر ومعروف، تعيش بلا حدود مع وجود الحدود، لا حواجز ولا قيم ولا أعراف، عالم مليء بالغرائب والمتناقضات، نعجز عن فهمه ولو حاولنا، أمره صعب التفسير، كبيره يفترس الصغير، سليمه يبطش بالضعيف، تعيش بقاعدة البقاء للأقوى صغيراً كان أو كبيراً، فالقوة ليست حجماً أو شكلاً، القوة أنواع لا متناهية.

في هذا العالم يتغذى هذا على ذاك، يفترس هذا هؤلاء الذين بدورهم يفترسون من سواهم، حياة صعبة تحف بها المهالك، لا من تفكير يجول في خاطر أي منهم سوى البقاء مهما كان الصراع مريراً، ومهما كانت النتائج، ومهما أخطأ المفترس في الحسابات والتقدير، حتى لو أدى ذلك بحياته أو زاد عدد ضحايا شهواته ونزواته ورغباته، سلسلة من الصراعات، فلا مقاييس ولا حدود لشيء في هذا العالم، لا في المكان أو حتى في الأوقات، لكل كبير فيه من هو أكبر، ولكل صغير من هو دونه وأحقر، المقاييس فيه لا متناهية.

المسألة ليست كماً وكيفاً، فكم من أحجام كبيرة فيه ضعفوا، وكم من صغار فيه سادوا وتمادوا وما خضعوا، لعل السمة السائدة فيه الرغبة في الحفاظ على النوع والبقاء على قيد الحياة، البقاء بأي طريقة، وبأي شكل من الأشكال، أشياء قد تكون ظاهرة، وأخرى قد لا تخطر لنا على بال، لهم أسلحة يستخدمونها، تختلف من أحدهم للآخر، بعضها يمتلك الأنياب أو قد يعتمد على تغيير الثياب، والبعض يمتلك القوة،

وآخر أسلحته معقدة وشديدة الغرابة، بعضها يعتمد على المخالب والقرون، ولآخرين منهم أوزان ثقيلة وكتل من العضلات، حتى الأشكال والألوان تعتبر من الأسلحة، البعض منها سام، كل شيء لديها مباح الاستخدام، حتى وإن ضعفت فإنها قد تتحايل، تحاول أن تأخذ من هذا ومن ذاك، فيعتقد من يراها أنها قاتلة، وأنها مسببة للضرر والهلاك، يظن القوي فيها أنه قوي وهو ضعيف، وقد يكون العكس، جميل قد يظهر بصورة مرعبة أو قد يكون في الطباع مخيفاً.

طباعها تختلف، البعض منها يمكن تطويعه واستئناسه، البعض الآخر محال أن يأتلف، بعضها ما بين هذا وذاك، فهو قد يدرب على أشياء محدودة، لكنه في حقيقة أمره يبقى كما هو دون تغيير، قد يكون التغيير فقط في الظاهر، أو ما يسمى بالشكليات أو المظاهر.

الأسود مثلاً لن تكون قططاً مستأنسة مهما حاولنا، مع أن البعض منها قد يكون، التماسيح والثعابين وسائر الوحوش قد خلقت كذلك وستبقى، عالم غامض وغريب، هي تعرف أشياء كثيرة ففطرتها وطبيعتها قد علمتها الكثير كما علمها الخالق، أعطاها من الإمكانات ما يسمح لها به أن تعيش وتستمر، هي تعرف كيف تعيش، كيف تصطاد وتأكل، كيف تبحث عن الماء لتشرب، كيف تخاف، كيف تتزاوج،

كيف تدافع عن نفسها وعمن كتب لها أن تدافع، بالتأكيد لديها أسبابها والدوافع، بعضها هين لين، مرن، أليف ومطيع، والبعض الآخر لا يلبث أن يفتك بأي شيء أمامه، فمن عادته الهجوم والافتراس وهذا بالنسبة إليه هو المبدأ والأساس، لا قاعدة عامة يمكن الاستناد عليها حتى في النوع الواحد منها، فأسماك القرش على سبيل المثال حياتها مثيرة، وأنواعها كثيرة، منها ما هو غير مؤذٍ ومنها القاتل، ولكن غير المؤذي من تلك الحيوانات سيتحول لوحش ضارٍ عند رغبته في سد احتياجاته من الطعام والشراب والأمان والمحافظة على الجنس.

معظم الحيوانات كذلك تعيش بلا مقاييس، لا مساس بالحاجات الأساسية إلا لو أجبرت على ذلك إجباراً، كأن تقل الموارد أو تنعدم، أو أن يخرج ذلك عن قدرتها على التصرف أو التعامل، كأن تجدب الأرض أو تتغير الأحوال، فدوام الحال من المحال.

كل شيء في الأرض يتغير من حال إلى حال، لم يبقَ شيء إلا وقد تغير أو تحول أو تحور أو تبدل، هذه هي الحياة، وهذه هي طبيعة الأرض، وكل ما عليها وما حولها.

اعذروني لأنني لم أكن أتحدث عن عالم الحيوان، وإن كان ظاهر القول كذلك، فما ذكرته جزء من واقع نعيشه، نعيش فيما يسمى شريعة الغاب، البعض منا بعيد عن الحق، ولو ظهر لهم أنهم يتبعونه، أفكارهم هدامة، معتقداتهم باطلة، مفاهيمهم خاطئة، أضاعوا أنفسهم، وأضاعوا من بين أيديهم الدين، معظمهم إلا من رحم ربي يبحث عن مصالحه بشتى الطرق، نصب، احتيال، كذب، خداع، غش، وتدليس، ولا مانع من الاستعانة بخبرات إبليس، أي شيء مباح حتى قتل الآمنين وإزهاق الأرواح، يذبح بعضهم بعضاً ليس فقط بالأسلحة، بل بكل ما هو متاح،

قد يقتلون بالأقوال والأفعال، لا يراعون أحداً إلا بأنفسهم ومن يحبون، الآخرون سراب حتى لو كانوا أرامل وأيتاماً ومساكين، أو ممن أوصى بهم رب العالمين، هم لا وجود لهم أصلاً، بعضنا لا يراهم ولا يشعر بهم، قد نتعاطف مع بعض المواقف أو الأشخاص تعاطفاً مؤقتاً لا يلبث أن ينتهي في لحظات، فمن ذهب عنا وفات كأنه مات، حتى في الموت لا نخشع ولا نجزع، أصبحنا نرى الناس وهي تموت أمام أعيننا ونحن ممسكون بأجهزتنا الذكية نصور المنظر، وكأننا نصور بعضاً من الحيوانات.

نعيش في زمن التفاهات، نصرف ألوف الدولارات على فنجان قهوة أو أي شيء آخر قد تعودنا عليه، لكننا عندما نُطَالب بإخراج شيء لمسكين نتأفف ونعتذر ونقدم كل الحجج التي أصبحت معلومة لنا جميعاً، يموت الناس من حولنا جوعاً، ونحن نصر على الأكل حتى التخمة، نرمي بقايا الطعام ولا نقدر حق اللقمة.

الناس تتسلق وتتملق وتتحذلق لكي تصل، تمتص دماء الآخرين، لا يهمها إن هلكوا أو حتى ماتوا، الناس ترى الآخرين مصدراً لأي شيء، إن امتلكت المادة فأنت مصدر لها، وإن امتلكت الجاه فأنت مصدر المساعدة في الأمور الحياتية، وإن كنت أي شيء فأنت مصدر لأي شيء، هكذا نعيش أو البعض منا فلا تعميم.

لدينا الدين والأعراف والقوانين، ولكننا عنها دوماً غافلون ومعرضون، نفضل شريعة الغاب والعيش كقطعان الذئاب، ننسى أن لدينا العقل، وإن تذكره البعض منا حكم عليه بالتوقف عن استخدامه وإيقافه عن التفكير، فهذا لا يجوز وهذا حرام، لا جدال ولا كلام، من يفكر يستحق التكفير، الأخلاق السيئة المغطاة بغطاء الدين والفضائل هي من أفضل العبادات، خذ ما تستطيع بكل قوة، ولا تنتظر، ولا تطلب من أحد، فأنت على حق دائماً.

البعض منا يفضل العيش مريضاً مع أنه يرى العلاج، البعض يفضل الموت على الحياة باسم الدين، يرسمون صورته بأنه يحلل قتل الآمنين، بالقتل يطلبون الحسنات وجنات الخلد والحور العين، ما نحتاج إليه هو الفهم واليقين، من دونهما فقدنا كل أمور حياتنا ودنيانا، وفقدنا العلم والعمل بالدين، اللهم نسألك لطفاً، وعليك نتوكل وبك نستعين.

أظلم الأوقات في تاريخ الأمم هي الأوقات التي ظن فيها الإنسان أن الشر يمكن أن يجلب خيراً له ولغيره، في حين أن الشيء الوحيد الذي يحتاجه هذا الشر لينتصر هو أن يقف الأخيار مكتوفي الأيدي.

كان هذا ما كتبته في وصف الواقع، وعندما أغلقت الدفتر وأغمضت عيني صوتي الداخلي كان يتحدث إليَّ بنبرة يغلب عليها التفاؤل بالقادم والأمل بالتغيير: "أحلك ساعات الظلام هي تلك التي تسبق الفجر"، فدعونا نكُن هذا الضياء الذي يشع نور التغيير، وليكُن كل منا النموذج الذي يتمنى أن يراه في الناس والكون، ونفوسنا هي الميدان الأول إن انتصرنا عليها كنا على غيرها أقدر، وتذكر يا صديقي وأنت تقرأ كلماتي إذا أنت لم تبقَ أنت هم أيضاً لن يعودوا أولئك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.