المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

قصة عشقي المجنون.. معشوقتي أوصلتني مسرح (TED) العالمي ثم موسوعة غينيس للأرقام القياسية

تم النشر: تم التحديث:

2016-12-13-1481625337-3610727-k4.jpg

البداية كانت في منزل العائلة عندما انتقلنا من النطاق العمراني إلى الضواحي، كانت المنطقة عبارة عن صحراء وجبال، منطقة قليلة الكثافة السكانية، كنت تحديداً في السادسة من عمري، بدأت أشاهد أشياء أراها لأول مرة، كل شيء جديد بالنسبة لي؛ الأشجار، الحشرات، الحيوانات... ترعرعت في هذا المنزل وكنت طوال يومي أراقب وأبحث وأتفحص كل ما يحيط بي.

في أحد الأيام، وجدت ثعباناً بحديقة المنزل، تبعته وقتلته، أتذكر تلك اللحظة جيداً، لم أخفْ أبداً منه، احتفظت به وهو ميت. في اليوم التالي، بينما أنا داخل إلى المنزل وعند قيامي بفتح الباب، وجدت ثعباناً كالذي قتلت يقع فوقي ويلتف حول رقبتي، رميته وهربت، أخبرت والدي بالقصة فأخبرني بأن هذا يسمى الوليف وأنه حضر لينتقم مني لأنني قتلت الثعبان. ما زلت طفلاً ولم أفهم معنى ذلك، ما فهمته هو رغبتي في البحث وحبي لكل تلك الأشياء.

لاحظ والدي ذلك، وفي يوم من الأيام وجدته يخرجني من منزل العائلة لغرفة قد بناها لي في الحديقة لأعيش فيها، لم أفهم المعنى أو لماذا ولكنني كنت سعيداً؛ لأن لديّ عالمي الخاص الذي أستطيع فيه فعل ما أريد والاحتفاظ فيه بما أريد، كان للوالد دور كبير في صقل موهبتي ليست الخاصة بالثعابين فقط وإنما بكل الحيوانات، ففي أي موقف كان يجعلني مَن أتصرف، أي شيء داخل المنزل كنت أنا من أعالج الموضوع سواء أكانت حشرات أم حيوانات.

في غرفتي، بدأت بجمع كل ما أمكنني جمعه من كل شيء، أتذكر أنني كنت أحتفظ بأوراق الأشجار والفراشات المجففة، بدأت بجمع العقارب والزواحف والثعابين والحشرات، اشتريتها خلال سفرياتي لخارج المملكة العربية السعودية، حاولت التعرف عليها من قرب، كنت أراها من حولي، راقبتها عدة سنوات دون كلل أو ملل. في أحد الأيام، اشتريت أول أصلة وهي الأصلة الكروية، احتفظت بها وراقبتها، كنت أصطاد لها الفئران لتأكل، شدني الموضوع كثيراً، لم يكن من ضمن خططي أن أكتب أي شيء عنها، أو أن أكون مميزاً فيها لأنني كنت أراقب فقط، عندما كبرت ركزت اهتمامي على الناحية البيئية.

أتذكر معلم الجغرافيا بمدرستي في المرحلة المتوسطة وهو يعطي الطلبة نتائج الامتحان ولم يعطني نتيجتي، طلب مني الوقوف وأخبرني بكلمات لم أنسها ولن، قال لي: لم أعطِ أي طالب طوال سنوات تدريسي الدرجة الكاملة ولكنني سأعطيها لك ولك الدرجة الكاملة في الامتحان القادم دون أن أرى أجوبتك.

بدأت الاطلاع على ما يمكنني الاطلاع عليه عبر بعض الكتب البسيطة مثل كتاب "كل شيء عن الثعابين" و"كل شيء عن الحشرات"... كتب بسيطة لكنها كانت كنزاً في أيامي، فلا شبكة عنكبوتية ولا من مصادر يمكن استقاء منها المعلومات، تخرجت من المدرسة لألتحق بالجامعة بقسم الجغرافيا، كانت ميولي واضحة جداً نحو البيئة وما فيها، تفوقت في دراستي ومن أول سنة لي أصبحت مشرفاً على رحلات الكلية. بدأت أبلور هوايتي بالقراءة والاطلاع وتربية الثعابين بشكل بسيط، جميع الطلبة والمدرسين لمسوا ذلك وعايشوه معي في كل الرحلات التي كنا نقوم بها.

أردت المزيد من المعرفة ولم أجد ما يشبع حاجتي، طلبت بعض الكتب من الخارج، كانت باللغة الإنكليزية، كانت صعبة علي، أحضرت مترجماً ليشرح لي مضمونها ومحتواها، كنت أتلقى ما لا يقل عن 4 ساعات يومياً من الدروس حول تلك الكتب التي تزيد على 10 كتب، بدأت أقنن الموضوع وأبحث أكثر، ماذا يوجد في اللغة العربية؟ ماذا يوجد في الدين؟ ماذا يوجد في الثعابين؟ بحثت وقرأت، كنت محباً للتصوير، كنت أصور الصور التي في الكتب التي بين يدي، كنت أصور كل شيء.

سنوات مضت وأنا أطور نفسي في هذا المجال إلى أن فكرت في كتابة كتاب عنها، الفكرة كانت سنة 1995م، ذهبت لجامعة أم القرى للتحدث مع بعض الأساتذة عن الموضوع، فلم أجد الاهتمام الذي كنت أتوقع، بين يدي معلومات كثيرة وملاحظات فلِمَ لا أجمعها بكتاب، بدأت في تصنيف المعلومات، وجدت أن لدي الكثير من تلك المعلومات، لم أكتف بذلك؛ بل بدأت أبحث عن كل ما يمكن أن يتعلق بموضوع الثعابين، ودرست أكثر وبحثت أكثر وراقبت أكثر.

كنت أخرج لرحلات صيد مع بعض الخبراء والصيادين، أجمع الثعابين وأحتفظ بها وأراقبها، جمعت معلومات كثيرة لأكتشف أن الرصيد الذي أمتلكه يكفي لكتابة مجلد كبير، كتبت أشياء لاحظتها لم أجدها في الكتب، اتفقت مع مطبعة لعمل الكتاب وطباعته في مدينة الهفوف التي تبعد عن مدينتي أكثر من 1200 كم، كنت شبه مقيم بالمطبعة، أنام فيها تحت المكاتب، أعمل طوال النهار والليل، صممت كتابي برؤيتي، لم أكن أفكر في الموضوع من ناحية مادية فالموضوع بالنسبة لي أكبر من الماديات.

خلال تلك الفترة وقبلها، كانت الصحافة قد كتبت عني، بدأت الكثير من الجهات في طلبي لعمل عروض للثعابين، أتذكر أنني كنت أخبرهم بأن لدي علماً أريد تقديمه وليس عروضاً، وجدت أن معظمهم لا يعي ما أقول، قدمت الموضوع بشكل مختلف، كنت أقدم معلومات وليس مشاهدات، أوضح للناس ما خفي عنهم في الثعابين وكم هي جميلة، كنت بين أمرين: إما أن أقدم عروض وأحصل على الكثير من المال وإما أن أبقى في طريقي الذي رسمته، ففضلت طريقي؛ فما كان بداخلي كبير وأريده أن يصل للناس، كنت أسخر من الأشخاص الذين يقيمون العروض وأسألهم دوماً: ماذا تقدمون للناس؟

خرج كتابي إلى النور عام 1996م، لم يكن كتاباً؛ بل موسوعة كاملة، أكثر من 450 صفحة وأكثر من 800 صورة، كل ما يتعلق بالموضوع، لم يكن في المكتبة العربية حينها سوى كتاب صغير لا يزيد على 200 صفحة كتبه أعضاء هيئة تدريس في جامعة الملك سعود بالرياض، انتقدت كتابهم وأخرجت الكثير من الأخطاء فيه، ليس انتقاصاً من عملهم، ولكنني كنت أبحث عن الحقيقة وأريدها أن تصل للناس بشكل واضح.

موسوعتي مرجع متكامل لم يظهر لها منافس إلى اليوم، حصلت على الكثير من خطابات الشكر عليها، أصبحت مرجعاً بالمكتبات الجامعية، قمت بإلقاء الكثير من المحاضرات التوعوية تزيد على 500 محاضرة، طُلب مني تدريب الكثير من الجهات الحكومية كالدفاع المدني في مكة المكرمة، كنت مسجَّلاً ضمن رجال الإنقاذ في حالات ظهور الثعابين داخل المنازل أؤدي عمليات الدفاع المدني، كنت أمتلك سيارة مجهزة لحالات الطوارئ، خبير لدى الجهات الحكومية فيما يتعلق بهذا الموضوع وكم هي القصص التي عشتها وكتبت تقارير عنها!

أقدم المحاضرات في كل مكان بالمجان، كنت أحرص على توعية الناس وأحاول تغيير المفاهيم، شاركت في الكثير من المعارض العامة، كما أقمت الكثير من المعارض الخاصة بهدف التوعية، صحافة وإعلام ومقابلات تلفزيونية.

استمر الحال على هذا المنوال أكثر من 20 سنة أخرى، فكرت لماذا لا أقدم خبراتي في هذا المجال في عمل مرئي، كنت أمتلك معدات جيدة للتصوير، فكرت كيف أقدم ذلك، الفكرة بدأت في أميركا في أثناء زيارتي لإحدى المتنزهات الوطنية، لِمَ لا أستغل سفرياتي في عمل برنامج توعوي عن الثعابين؟ فكرت في الطريقة التي أعدها مجازفةً مني ولكنني كنت متأكداً من أنها ستصل.

صورت عدة حلقات ثم أكملت التصوير في تركيا والأردن ومصر والمملكة العربية السعودية، كانت الخطة أن أصور قرابة 30 حلقة ولكنني وجدت أن المجال متاح لتصوير أكثر من ذلك بكثير، لم لا ما دام الهدف واضحاً والرغبة موجودة والإمكانات متاحة، انتهيت من تصوير 70 حلقة توعوية عن الثعابين، عملت على إخراج تلك الحلقات بشكل جيد، تعلمت فنون التصوير والإضاءة والمونتاج والإخراج. فعلاً، كانت تجربة استفدت منها كثيراً.

بدأت عرض البرنامج على قناتي في اليوتيوب، لاقى البرنامج استحسان الكثيرين، في نظري غايتي من البرنامج قد وصلت، وجدت مشكلة، البرنامج لم ينتشر كما خُطط له حتى مع الدعايات المبذولة، الإعلام لم يكن مهتماً بالموضوع، ففكرت لم لا أقوم بخطوة أكبر وهي التسجيل بموسوعة غينيس؟ لم لا أقدم شيئاً أكبر مما قدمت ما دام كل شيء جاهزاً والإمكانات موجودة والمعدات والخبرات؟ لم لا أُقدم على هذه الخطوة التي ستجعل الضوء يسلط على الموضوع، فالهدف نشر الموضوع وتغيير المفاهيم؟ لِمَ لا أكون صاحب بصمة وأصقل كل خبراتي وتجاربي وشغفي في برنامج عن الثعابين يقدم بشكل مميز؟

بدأت بصقل الموضوع، ودرسته من كل جوانبه وقمت بهيكلته وما المطلوب فيه كالمواضيع، وترتيب الحلقات، الملابس والإكسسوارات، جهزت البيانات كافة واعتمدت على موسوعتي وبعض كتب التراث، لعل من أهمها كتاب "الحيوان" للجاحظ و"حياة الحيوان الكبرى" للدميري، صنفت البيانات، الموقع جاهز وهو مناسب لما سأتحدث عنه، أخذت أرتب طريقة التصوير باستخدام 2 كاميرا احترافية تحتاج لمصورين، ولكنني تحديت نفسي فما سبق برنامج بسيط أما هذا فبرنامج له معايير عالية بالنسبة لي، جهزت الإضاءة والمعدات الخاصة بالصوت مع الديكورات المناسبة وبدأت التصوير.

60 حلقة مدة كل حلقة 15 دقيقة ليس بالأمر السهل، خصوصاً أنني أحياناً أحتاج لتصوير 6 حلقات ليست ذات علاقة بعضها ببعض اعتماداً على الملابس، فمن المهم أن يكون هناك ملابس متغيرة في البرنامج، خلال 10 أيام كنت قد انتهيت من التصوير وراجعت كل شيء، بدأت في تجهيز المواد المطلوبة لكل حلقة من الحلقات سواء الصور أو الفيديوهات.

استغرق الأمر ما يزيد على الشهر، المونتاج كان يحتاج لوقت كبير، كنت أعمل بعض الخطوط الرئيسية عندي ثم لجأت إلى صديق لي في مصر لآخراج الموضوع بالشكل النهائي، استغرق العمل قرابة شهر آخر في عملية المونتاج لأنني أنا المخرج فكان لزاماً عليّ البقاء على رأس العمل ومتابعة كل صغيرة وكبيرة فيه. كنت أعمل يومياً ما يقارب 8 ساعات، الحلقة الواحدة أخذت مجهوداً جباراً لتخرج، حلقة من 15 دقيقة أخذت مني ما يزيد على 12 ساعة عمل، أشرفت على الموسيقى المصاحبة للبرنامج، اختيار التترات، كل شيء كنت أنا من أشرف عليه وأختاره.

لم ينته العمل بعد، فهناك المراجعة والتصحيح، كل ذلك بسيط جداً مقابل ما أريده وما أبحث عنه، ليس الشهرة فقد كانت متاحة أمامي كثيراً، وليس المال بالتأكيد فقد كانت الأموال تعرض عليّ بسخاء لأقوم بعمل عروض بالثعابين، ولكن ما أريده هو تغيير المفاهيم وتصحيح المعلومات، لأنني أريد أن يرى الناس ما أراه ويعرفون ولو جزءاً مما أعرف، ليس من أجل المعرفة فقط فقد أخبرنا ربنا بأن من أحيا نفساً كمن أحيا الأرض جميعاً، خطأ بسيط قد يقتل، ومعلومة بسيطة قد تتسبب في إنقاذ إنسان، هذا هو المقصد من كل ما أمتلك، موسوعة غينيس خطوة من الخطوات اللازمة للتغيير ولكنها ستكون التغيير بصورة أكبر وعلى نطاق أوسع وفرصة للمنافسة على تقديم ما يفيد، أعتقد أن التسجيل في موسوعة غينيس سيسلط الضوء على هذا الموضوع ويفتح آفاقاً جديدة لمواضيع أخرى كثيرة.

2016-12-13-1481625262-6033778-.PNG

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.