المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

عندما تصبح سلوكياتنا وأفعالنا كخلطة "الشاورما"!

تم النشر: تم التحديث:

بعد أيام من انطلاق المركبة الفضائية بروادها، هدف الرحلة دراسة كوكب جديد قد يصلح للحياة البشرية، الدراسة المبدئية له تشير إلى أنه مشابه للأرض بنسبة كبيرة، اكتشفه العلماء خلال دراستهم لمجموعة من الكواكب السيارة، تمت دراسته بشكل عميق قبل أن يتقرر إرسال الرحلة الفضائية إليه، حطت المركبة كما كان قد خطط لها، وضع رواد الفضاء أقدامهم لأول مرة على كوكب جديد، كوكب لا يعرفون عنه سوى بعض المعلومات، بدأت رحلة الدراسة وجمع العينات، لم تمض دقائق وإذا بإعصار ترابي قادم من بعيد، ليس عادياً بالنسبة إليهم، فقد كان الصوت والمنظر يوحيان بخطر داهم، كل شيء أصبح مسوداً وغائماً، توجس الرواد خيفة، دقات قلوبهم تزداد، حاولوا العودة للمركبة لكن دون جدوى، أرسلوا رسالة استغاثة، لم يجدوا أنفسهم إلا وسط العاصفة، كل شيء اسودّ فجأة، انعدمت الرؤية، انقطع تواصلهم بالأرض والأرضيين، لحظات فقط لتنقشع الغمة، لم تكن كما تخيلوا، لم تكن عاصفة مطلقاً، وجدوا أنفسهم أمام أمر لم يكن في الحسبان نهائياً، لم يذكره الباحثون ولم يتطرق إليه أحد ممن في مركز الفضاء، كائنات فضائية تتحلق حولهم وتحملق فيهم، تنظر إليهم في تعجب واستغراب، كائنات لها أشكال عجيبة، أجسامها غريبة، أكبر منا في الحجم والهيئة، ليست مخيفة فقد أشبعنا الإعلام بالصور والأشكال حول هذا الموضوع، سواء ما هو حقيقي منها، أو ما جاد به عالم الخيال.

انقلب المشهد فجأة فوجد الرواد أنفسهم في مكان يبدو وكأنه مدينة، الجميع يتحرك ويعمل، ليس هناك من عاطل، الكل يعمل والكل له دوره، العمل مستمر ولا يتوقف، كأنها ساعة تعمل جميع أجزائها، مفارقة عجيبة لاحظها أحد الرواد ففي العالم الأرضي ما أكثر المقاهي والكافيهات التي نقتل فيها أنفسنا في معظم الأوقات، نجلس فيها دون عمل أو تفكير، في ذلك العالم المسمى بالعالم العربي نسبة كبيرة ممن يرتادونها لشرب الشيشة أو الشاي أو القهوة، جلوس وفقدان الإحساس بكل شيء بالمكان والزمان، وضع الرواد في مكان مرتفع، عاملهم الفضائيون باحترام بالغ، ربما اعتقاداً منهم أنهم خلق مثلهم ولا بد للمخلوق أن يعامل الخلق باحترام، سواء أكان من نفس جنسه أو من أمم أخرى، اجتمعت الحشود لترى هذه الظاهرة العجيبة وتلك الكائنات الغريبة، تقدم منهم حكيم الفضائيين موجهاً حديثه إليهم قائلاً: "مار حبا شا وار ما"، لم يفهم الرواد ما قصد، حاولوا الاستفسار منه بكل ما تعلموه من وسائل تواصل بصرية وحركية، أعاد عليهم نفس الجملة مرة أخرى: "مار حبا شا وار ما"، مرة أخرى، لم يفهم أحد منهم شيئاً مما قال، أعاد الحكيم الفضائي ما قال: "شاو وار ما أن تم تاك أو نون"، تنبه رائد فضاء لشيء وقرر أن يتأكد مما اعتقد، فقال للحكيم الفضائي: "ناح نو من كاو كب الأ رض جئ نا في سا لا م"، ضحك الحكيم ضحكة عالية، وضحك الجميع، ليس لأن الضحك معدٍ، ولكنهم ضحكوا لأنهم عرفوا الكثير عن هذا الكائن الغريب بالنسبة إليهم، قال الحكيم: "ناح نو ناع لم ولاك ننا نوس أمي كو كاب أكم كو كاب ال شا وار ما"، رد الفضائي: لماذا تسمون كوكبنا بهذا الاسم؟ وماذا تعنون بـ"شا وار ما"، مهلاً مهلاً هل تقصدون الشاورما؟ ابتسم الحكيم الفضائي قائلاً: نعم نقصد ذلك، فعلاً نحن نسمي كوكبكم كوكب الشاورما، وأنتم السبب في ذلك، هنا سأل رائد الفضاء: لماذا أطلقتم علينا هذه التسمية؟ نظر الحكيم الفضائي إلى الجميع نظرة عامة، ما زال الجميع يضحكون في جنون.

قال الحكيم: سأخبرك لِمَ سميناكم بهذا الاسم، لقد درسنا أحوالكم وسلوكياتكم واحترنا في أمركم كثيراً، إلى أن رأينا الشاورما التي تأكلون، أعلم أنكم أيها القادمون من الأرض تفكرون ما علاقة الأرضي بالشاورما، لا تتعجلوا مع أن التعجل من أصل خلقكم، رأينا أن الشاورما هي خير ممثل لكم، وحتى لا أعمم للبعض منكم، فأنا أعلم أنكم أيها الأرضيون لا تحبون التعميم، أكمل الحكيم حديثه: لو تأملتم الشاورما ستجدون أنها أي شيء مع أي شيء مغلف بما تسمونه الخبز، وانتهى الأمر، هل منكم من يستطيع تحديد ما يوجد بداخل الشاورما؟ وكم هي النسب والمقادير؟ أو أي معايير؟ لا أعتقد ذلك، أنتم في تصرفاتكم كذلك، لكم غلاف تتعاملون به، فهناك الدين والعروبة والوطنية والقومية والعرقية، ولكم من تلك المصطلحات الكثير، ولكن داخل تلك الأغلفة توجد الشاورما التي تتصرفون بناء عليها، فأنتم تضعون من كل شيء على أي شيء وتخلطونه؛ ليصبح لديكم هذا المزيج الغريب، مزيج متناقض غير مفهوم، دينكم يحثكم على التفاؤل والتبسم، وأنتم تصرون على العبوس، دينكم دين رحمة، ومع ذلك أنتم تتعاملون في الكثير من أموركم بلا رحمة أو هوادة، لكم أن تقيسوا ذلك على كل شيء، خلقنا الله في هذا الكون الفسيح الذي لا نعرف منه إلا نقطة من بحر، ومع ذلك تمثل لكم هذه النقطة كل شيء، تتصارعون وتتقاتلون وتذبحون بعضكم بعضاً عليها، ليس في الحروب فقط، ولا في الجماعات المتطرفة، ولكن الجميع يفعل ذلك إلا من رحم ربي، قد نذبح إنساناً بكلمة، بتصرف، بتفكير، أشياء كثيرة لو سردناها لكم لاحتجنا إلى أيام وشهور وسنين، أنتم يا سكان الأرض تجرون وراء المادة مع أنكم تعلمون أنكم من تلك الأرض راحلون، تجرون وراء الشهوات مع أن جميع شهواتكم لحظية لا تلبث أن تزول، لا تعرفون معنى كلمة السلام مع أنها عماد الحياة واسم للإله، تغضبون من كلمة وتتقاطعون من أجلها، موقف قد يجعلكم تتغيرون، تسأمون وتضجرون، تبكون وتتباكون وتنتحبون على كل شيء، كنا نتابعكم ونسأل أنفسنا عن طريق لسان من زرعناهم في عالمكم دون علم منكم، وكنا نسأل دائماً: من أنتم؟ ونقول لأنفسنا إلى الأمام.

ترسلون لنا بالرسائل وتفكرون إن كنا موجودين، يستهويكم ما لا تعلمون، أما ما تعلمونه فلا أهمية له لديكم، يكفيكم أنكم علمتموه وإن لم تعملوا به، ترسلون إلينا بالرسائل قائلين: لقد جئناكم في سلام، أي سلام هذا الذي تتحدثون عنه؟ وأي منطق هذا الذي لديكم؟ السلام مفقود داخلكم، ومع ذلك تقولون سلام، تبحثون عما يسمى السلام الداخلي للنفس ولم يصل لذلك إلا قلة منكم، تعجبنا منكم أيها البشر وتعجبنا من أمركم حقاً، تقتلون وتقولون السلام، تلقون السلام هنا وهناك، ولكن كم من البغض والغل والحقد والكراهية والحسد والطمع والجشع والاستغلال وكل الصفات السلبية تحملون بداخلكم، هل فكرتم في ذلك؟ هل حقاً تفكرون وتتدبرون ذلك وتعون ما تفعلون؟ تحتاجون إلى الخروج من تلك الشاورما التي تعيشونها، تحتاجون لشيء واضح وظاهر وبسيط وبالطبع لا بد أن يكون مفيداً.

الله لم يخلقنا إلا للفائدة، الشاورما تجعلكم مجرد خليط محيط به غلاف، أما أنتم فقد خلقكم الله ظاهراً وباطناً، ولا بد أن يقترن الاثنان ببعضهما البعض، أنتم أحرار في أسلوب حياتكم، ولكن أنتم بذلك تحددون مصيركم، فإما أن تبنوا كوكبكم وعالمكم كما قدر الله لكم، وإما أن تجعلوه كوكب الشاورما مع المخلل والمايونيز وكل الإضافات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.