المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

سمكة على كرسي بعجلات

تم النشر: تم التحديث:

على الكرسي ذي العجلات، تجلس على شاطئ البحر وحيدة، تنظر لكل من حولها، تتأملهم وتغبطهم على تلك النعمة التي يمتلكون، من حولها يمشون ويركضون ويقفزون مرحاً، تتقاذفهم الأمواج وصراخهم يعلو، يسبحون في ذلك العالم، بينما هي أسيرة عالمها، هي لا تقدر على شيء من ذلك، نسيم البحر يشدها ويطلب منها المجيء إليه بأصوات موجه الهادر، تحاول دون جدوى، من سيحملها وهي جليسة ذلك الكرسي ويضعها في الماء؟ ومن سيأخذ بيديها في زمن فقدنا فيه المشاعر، أصبحنا في زمن يسود فيه مبدأ نفسي نفسي.

ينقضي اليوم فتُسحب إلى البيت المتواضع سحباً، هي لا تريد الذهاب، تريد أن تبقى، ولكن لا بد لها أن تذهب، بعد الدعوات لها بالشفاء من والدتها والرثاء على حالها ممن حولها، ذهبت إلى فراشها، أغمضت عينيها وعادت بذكرياتها إلى الماضي، غابت عن حاضرها الذي تعيشه، عادت إلى سنوات طفولتها المفعمة بالحيوية، طفلة جميلة مدللة، تركض تمرح تقفز تصرخ تلعب، كبرت مع الأيام التي تمضي بنا سريعاً لتصبح شابة ذكية تشع أملاً وحياة، تسير على قدميها وتتعجب ممن يجلسون على تلك الكراسي ذات العجلات، تتساءل: لمَ لا يقومون ولا يتحركون؟ أهم كسالى أم هم عاجزون؟ كانت تلك نظرتها ونظرة المجتمع الذي تعيش فيه لأمثال هؤلاء، نظرة حزن وشفقة وبعض من السخرية على كل مبتلى أو ممن نطلق عليهم معاقاً أو مُقعَداً أو من ذوي الاحتياجات الخاصة.

كانت فتاة محبة للحركة والتحدي، مرضت أمها وأحتاجت إلى الدواء، ركضت الفتاة بلا هوادة، خرجت باحثة عن الدواء لأمها، وجدته وكم فرحت وهي ممسكة به عائدة إلى المنزل فأمها أغلى من كل شيء، الأم تنتظر الدواء، لقد تأخر وتأخرت، لم تأتِ، أتى من يصطحب الأم إلى المستشفى، الابنة تعرضت لحادث سير، قامت الأم من فورها ونسيت مرضها وألمها، فلذة كبدها هناك بين يدي الله، تصرخ الأم المكلومة وتستغيث بالله: ابنتي يارب، في المستشفى الابنة في غرفة العمليات، دموع الأم تنهمر ولسانها يدعو الله ويسأله اللطف فيما قدر، بعد أكثر من 3 ساعات من ملل الانتظار ونار الحيرة وانفطار قلب الأم التي لا تدري ماذا ألم بابنتها، خرج الطبيب مخاطباً إياهم: نحن أمام وضع صعب فقد أصيبت الفتاة بكسور في الرقبة وتهتك النخاع الشوكي، مما أصابها بشلل رباعي.

صدمة للجميع، الأم لم تترك ابنتها للحظة، الخوف على ابنتها أنساها مرضها بعد أن كانت هي من تحتاج إلى الدواء، تدعو الله ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً.

قرر الأطباء السماح للمريضة بالخروج، أخذت الفتاة إلى المنزل محمولة، لا تستطيع المشي، تفقد القدرة على التحكم في قبضة يدها، وضعت في الفراش، حالتها صعبة جداً، كل من يراها يتمتم ويضرب كفيه حسرة عليها، إلى الآن لم تكن الفتاة مقدِّرَة لحجم ما ألمَّ بها، ما زالت تحت تأثير الصدمة، جاء الأخ الأكبر حاملاً معه ذلك الكرسي، عندها أيقنت أن الأمر قد قضي واستسلمت لواقع مر ستتجرعه رغماً عنها.

عاشت وكل شيء قد تغير بالنسبة إليها، تفعل كل شيء ولكن بطريقة مختلفة، عانت كما يعاني أمثالها، من حولها منهم من يساندها وكثير منهم محبطون، مسكينة، كان الله في عونك، كيف ستعيشين طوال عمرك هكذا؟ لا يجوز أن تخرجي وأن يراك الناس هكذا، لا خروج إلا للحاجة، لا زيارات إلا لأقرب المقربين فقط حتى لا يشمت بنا الشامتون، لا يصح هذا، ولا ينفع أن تفعلي هذا وهذا، البعض يراها نكرة أو انسان ناقص عليه أن يرضى بأقل القليل..

كانت تدعو الله وتفكر وتسأل نفسها: هل سأكتفي بالحسرة على نفسي والبكاء على حالي، الله رؤوف بنا هو يعلم ما ينتظرنا، أيقنت أن في ذلك حكمة لا تعلمها، وأمر قد تقرر عليها لا تستطيع أن تتنبأ به، حاولت الخروج والعمل، عملت كموظفة بسيطة فأمثالها فرصهم في الحياة قليلة، لم تقتنع أنها خلقت لذلك، حاولت أخذ بعض الدورات في التنمية البشرية وتطورت إلى أن أصبحت مدربة، ولكنها لم تكن سعيدة، هناك شيء ينقصها، كانت راضية بما كتب الله عليها، ولكن كان لديها يقين بربها، يقين أنها ستكون، وأن هناك عاصفة خلف هذا السكون.

سنوات مضت وهي على هذا الحال، في غرفتها حوض به سمكة ذهبية واحدة، كانت تتراقص في الماء وتغوص وترتفع، كانت تراقب تلك السمكة كل يوم وتقول لنفسها: أريد أن أكون مثل تلك السمكة، أريد ان أتعلم السباحة، عرضت الفكرة، سخر منها الجميع: هل أنت حمقاء؟ تريدين السباحة وأنت مصابة بشلل رباعي، لقد جننت، لا بد أن الحادثة قد أثرت على تفكيرك، استعيذي بالله من الشيطان الرجيم، صممت على موقفها، الأهل يريدون إسعادها، حسناً لك ما تريدين، كيف وأين؟ عقبة أخرى أمامها فلا يوجد في هذه المدينة أحواض سباحة أرضية ولو وجدت فلا مدربين للحالات الخاصة كحالتها، لا بد من السفر لمدينة أخرى. من حولها ساعدوها في بداية الأمر، انشغلوا عنها بعد برهة فالحياة مشاغل وتركوها.

أبَتْ إلا أن تكمل مسيرتها، تخرج من بيتها فجراً لتذهب لمحطة القطار ويحملها من لا يربطها بهم سوى أنهم بشر مثلها، توضع في القطار لتحمل منه مرة أخرى ليُنزلوها على الرصيف، تذهب لتستقل مترو الأنفاق، تبحث عن محطة بها مصعد حتى تستطيع الحركة، تخرج من المحطة لتقطع مسافة كبيرة جداً بمقاييسنا وهي تدفع نفسها على الكرسي ذهاباً لتتمرن، تعود بعد ذلك إلى مدينتها بنفس الطريقة التي أتت بها، استمر الأمر على هذا المنوال بضعة أشهر، رحلة من العذاب، لا ترى شيئاً سوى تلك السمكة التي في غرفتها، لا مجال للشعور بالتعب ولا مجال للإحباط الذي يحيط بها من كل جانب، عاجزة، ضعيفة، لا حول لها ولا قوة.. استمر الحال على هذا الشكل إلى أن أجادت ما رغبت فيه، لم تتعلمه فقط بل أجادته، تعلمت السباحة ولم تكتفِ، تعلمت الغوص ولم تكتفِ..

هنا قامت ونهضت، لم تنهض من على الكرسي، ولكنها نفضت عنها غبار الضعف، قامت لتحقق أولى البطولات على مستوى الدولة، لم تكتفِ فلا حدود للغايات، أعقبتها بطولة ثانية ثم ثالثة، ما زالت تركض رغم ما بها بينما أصحاء لا يقدرون حتى على المشي، ما زالت تتقدم رغم كل المحن مع أن البعض ممن أحاطتهم كل الفرص يتأخرون، أطلق عليها صدفة لقب السمكة الذهبية؛ لأنها أصبحت فعلاً كذلك بلونها القمحي المزين بأشعة الشمس الذهبية.

هذه ليست قصة من وحي الخيال بل هي قصة واقعية لفتاة أعرفها، أحببت أن أعرضها عليكم لعلنا نرى فيها أنفسنا ونراجع بها ذواتنا؟ أين نحن من ذلك؟ وماذا فعلنا بما نمتلك من نعم؟ البعض حرم من تلك النعم، ومع ذلك قدموا الكثير، كيف سبحت السمكة الذهبية بشلل رباعي؟ لا أدري ولكنها الإرادة أيها السادة.. الإرادة التي لا تعرف حدوداً، جربت ولم تستسلم، أحبت تلك التجربة، قررت الخوض فيها لكي تتقنها ولكي تصل بها إلى القمة.

يا من أتكلم عنك،
ألهمتني فكتبت..
واسمحي لي أن أقتبس منك القوة،
تقدرين باختلاف،
وبيننا من هم أصحاء،
ويا للأسف..
ضعاف ضعاف ضعاف...

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.