المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

هل يكسر الأعمى عصاه بعد أن يبصر؟!

تم النشر: تم التحديث:

بدأ موسم الإجازات، اقترحت الزوجة على زوجها قضاء عطلة في إحدى الدول، الزوج ممن فتح الله عليهم وأغدق عليه بالمال والجاه، وافق الزوج من فوره، ولكنه اقترح على زوجته أن يبلغ أخاه الذي يكبره سناً بالأمر لعله يسافر معهم هو وزوجته، الأخ الأكبر موظف بسيط يعيش عيشة متوسطة، وافق على السفر واعداً أخاه الغني الذي يصغره سناً أنه سيسافر برفقته، شريطة عدم تحمل الأخ الأصغر أي تكاليف أو مصاريف أثناء السفر، سيكون الموظف ملتزماً بكل نفقات سفره وزوجته، بالنسبة إليه يكفيه أن أخاه قد تذكره وأراد أن يكون معه..

في المطار توجه الأخ الأصغر إلى كاونتر الدرجة الأولى بينما الأكبر إلى كاونتر الدرجة السياحية أو العادية، تم إنهاء إجراءات السفر، فتحت أبواب قاعة انتظار الدرجة الأولى للزوج والزوجة والخادمة المصاحبة لهما، رحب بهم الجميع بشكل لافت، فقد كان التاجر معروفاً وممن يشار إليهم بالبنان، الأخ الأكبر وزوجته جلسا مع جموع المسافرين ينتظران موعد الصعود إلى الطائرة، في الطائرة جلسا في الكراسي المخصصة لهما، بينما ركاب الدرجة الأولى ما زالوا في تلك القاعة، هم لن يصعدوا إلى الطائرة إلا بعد صعود جميع الركاب.

في مقصورة الدرجة الأولى قوبل التاجر وزوجته والخادمة بالترحاب وقدمت لهم كل وسائل الراحة أثناء الرحلة، خدمات تُشعر المرء بأنه يمتلك الطائرة بكل من فيها، بعد ساعات وصلوا إلى وجهتهم، قابل الأخ أخيه عند سير الحقائب، حمل الأخ الأكبر حقائبه ووضعها في العربة المخصصة لذلك، بينما أخوه يقف مشيراً للعامل بأن يحمل تلك الحقيبة وتلك وتلك.. سيارة خاصة تستقبل التاجر وزوجته، اعتذر الأخ الأكبر عن الركوب معهما، فالتاجر سيقيم في فندق السبع نجوم، بينما سيقيم وزوجته في فندق الأربع نجوم.

وصلت السيارة الفارهة إلى بوابة الفندق الفخم، فتحت الأبواب، انحنى الجميع، أبواب الفندق فتحت، الجميع يرحب بهم، الموظفة تخرج من خلف مكتب الاستقبال مرحبة بهم، خمس دقائق كانت كافية لإنهاء جميع الإجراءات، صاحبهما مدير الفندق إلى الجناح الذي تم حجزه لهما، جناح خيالي يطل على البحر، لوحة وتحفة معمارية هذا الجناح، يشعر قاطنه أنه في قصر من قصور ألف ليلة وليلة، أدخلت الحقائب إلى غرفة الملابس، الخادمة ترتب كل شيء وتنظمه، قدم لهما مدير الفندق دعوة غداء في المطعم العالمي التابع للفندق، ما زالت زوجة الموظف ترتب أغراضها فرحة، الغرفة ضيقة ولكنها جميلة، هي مع زوجها وهذا يكفيها ويغنيها..

في المطعم انحنى المدير مرحباً بالتاجر وزوجته، ارتديا ملابس لا يرتديها سوى الملوك والأمراء، استقبلهما الجميع بكل احترام، على تلك الطاولة كانت الإكسسوارات والمحارم القماشية المطرزة بالقصب المذهب وأعداد كبيرة من الشوك والسكاكين مختلفة الأحجام والأشكال، فهذا للحم وهذا للحلويات وهذه للسلطة لكل شيء شيء ففيما يسمى إتيكيت المائدة، الجميل في هذه المطعم أنه يقدم أطباقاً مميزة لا توجد في غيره من المطاعم، الشيف الموجود هنا من أمهر الطباخين على مستوى العالم، له لمسات سحرية في الأطباق التي يقدمها، حضر الشيف ليرى ما يرغبان به، فطلبا أن يكون شيئاً مميزاً يليق بسمعة الشيف وفخامة المكان، أسماء الأطباق غريبة على الكثيرين ولكنهما يعرفانها جيداً..

الأخ الأكبر في مطعم بسيط على شاطئ البحر يتناول المأكولات البحرية، بيده يطعم زوجته في فيها، كل شيء مختلف، هنا بساطة وعفوية، وهناك اهتمام واحترام وتقدير والتزام، بعد أن انتهى التاجر من الطعام، كانت سيارة حكومية تنتظره تصاحبها حراسات أمنية، لديه مقابلة مع الوزير الفلاني في مكتبه، لقاء عمل وتعارف، مرت الأيام عاش فيها الجميع حياة مختلفة، كل شيء يختلف بين هذا وزوجه وذاك وزوجه، نفس البلد ولكن المستويات مختلفة، ما يقدم هناك مميز، وما يقدم هنا العادي، التقيا عدة مرات في بعض الأماكن، ولكن ما بقي كله كان مختلفاً.

هكذا خلقنا درجات ومراتب، كلنا نختلف عن بعضنا البعض في كل شيء، في أنفسنا بكل ما فيها، في ظروف حياتنا، هذه سُنة الحياة، الاختلاف يخلق نوعاً من التكامل، خلقنا بهذا الاختلاف لنبني الأرض ونساهم في عمارتها، مُنحنا الرضى والنسيان لكي نستطيع أن نكمل حياتنا دون أن نصاب بالإحباط أو الأحزان، هذا يخدمه الجميع وهذا لا يسأل عنه أحد، وثالث يَخدم ورابع يُخدم وخامس يَخدم من يَخدم، سلسلة لا تنتهي، ولكنها حياتنا التي نعيشها.

البعض لديه الإمكانات التي تخوله شراء القصور والطائرات، آخرون لا يستطيعون توفير ثمن حتى بيت من الصفيح، البعض ينام على وسادة من ريش الأوز الكندي، آخرون ينامون على قطعة من الحجر غير المريح، تناقضات كثيرة في حياتنا لكنها أمر طبيعي..

عادا إلى الوطن، نسيهما الجميع هناك في البلاد التي كانوا فيها، لا أحد يتذكر هذا أو ذاك، كلاهما أصبح مجهولاً ومنسياً، في الفندق هما مجرد نزلاء، المواكب أو الشوارع أو الكراسي أو السيارات الفارهة أو كل شيء سينساهما، هما غير موجودين أصلاً لأنهم بالنسبة لكل شيء مجرد إمكانيات، إن امتلكت الإمكانيات سواء في المال أو الجاه أو السلطة سينحني لك الجميع حتماً، وكلما ارتقيت وارتفعت، انخفض من هم حولك..

سينتهي كل ذلك بانتهاء ما لديك، مهما كانت درجتك سيخدمك من هو أقل منك، سينظر من هو أعلى منك إليك نظرة فوقية قد تنظرها أنت إلى من هم دونك وهكذا، مهما بلغنا ومهما كنا ما يستهدفونه فينا مناصبنا وما نمتلك وليس نحن أو شخصنا الكريم، قد تلبس مجوهرات بملايين الدولارات أو ثياباً رثة.. أنت هو أنت، لكنهم سيعاملونك بناء على تقييمهم لك وتقييمك لنفسك، فالبعض منا يرى أنه شيء وهو شيء، وآخر يرى أنه شيء وهو لا شيء، وبين الأشياء أشياء وأشياء، قد يكون الأمر غير مقبول للبعض أو أنه صعب على النفس ولكن هذا هو واقع الحال..

خذ منديلاً ورقياً وتأمله، ما دخل المناديل الورقية في هذه المسألة؟!
لو نظرنا إلى حقيقة أمرنا لوجدنا أننا كلنا شيء واحد يسمى إنسان، قد يختلف الإنسان في الشكل واللون، ولكننا سنظل تحت مسمى الإنسان، المناديل الورقية متشابهة أيضاً مع وجود بعض الاختلافات فيها، لكنها ستظل مناديل ورقية، الجميع يستخدمها مهما علا أو دنا، الملك والرئيس والخادم، الغني والفقير، الصغير والكبير، هي متاحة للجميع في كل مكان وفي أي زمان.

عند إصابتك بالأنفلونزا لن يقدم أحد لك المناديل المطرزة بالذهب والمحلاة بالجواهر مهما علا شأنك ومهما كنت أو رأيت نفسك، إن كنت ملكاً، إن زال ملكك، إن كنت معدماً، إن أنعم الله عليك، تستطيع استخدام المناديل، هي متشابهة في كل مكان ومتاحة للجميع.

لا بد أن تكون على يقين بأنك أفضل حالاً من الملايين مهما كانت حالتك، وأننا في بداية الأمر ونهايته في كل شيء متساوون، معظم ما تراه غير حقيقي ومزيف وسيزول بزوال ما لديك إلا المنديل الورقي الذي سيبقى للجميع، تذكر ذلك بشكل دائم وتذكر أنك ملك فيما ملكت، أنت إنسان ولن تستطيع الخروج عن ذلك مهما حاولت.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.