المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

الجماجم المبتسمة في الشرق والغرب

تم النشر: تم التحديث:

في فصل العلوم، كان هناك هيكل عظمي معلق أمام الطلبة وبعض العظام الملقاة على الطاولة التي تتوسط قاعة الدارسة، عظام لحيوانات مختلفة طلبت المدرسة من الطلبة إحضار ما يستطيعون إحضاره منها، المدرسة تشرح الموضوع والطلبة يراقبون بكل اهتمام، بالنسبة إليهم هو شيء جديد يثير فضولهم، بعض الطلبة يسجلون المعلومات والملاحظات، الجميع مشغولون بالمراقبة والاستماع والاستمتاع والكتابة، طالبة تجلس غير بعيد مما يحدث في زاوية القاعة، لكنها تعيش في عالم آخر غير عالم الدراسة، تعيش واقع لا تعيشه، جسدها هنا وروحها هناك، تتخيل والدها الذي مات منذ بضع سنوات، تراه أمامها بابتسامته المشرقة التي لم تكن تفارق محياه، لم يكن والدها من الشخصيات المعروفة أو من رجال الأعمال المغمورين.

هو إنسان بسيط يعيش الكفاف، ولكنه كان محبوباً من جميع من عرفوه، اعتبره أهل القرية كبيرهم، الحكيم والشخص الملهم ليس بماله أو جاهه أو سلطانه، ولكن لأنه ممن كانوا يأخذون الأمور ببساطة، ومن الذين يبتسمون دائماً حتى في أحلك الظروف، اعتبره البعض أحمق أو معتوهاً لأنه دائم الابتسام، تتذكر أباها وهو جالس بينهم في المنزل وابتسامته المشرقة التي تقول الكثير، كيف كان يلاعبها، حلاوة حديثه وحنيته وطيبة قلبه التي انعكست على كل ملامحه.. كم افتقدتك يا أبي وكم اشتقت إليك!

لاحظت المدرّسة انشغال الطالبة وعدم تركيزها في ما تقدمه فباغتتها بسؤال: هل تستطيعين أن تلخّصي لي ما شرحته لكم؟ تلعثمت الفتاة واضطربت وسالت على خدَّيها دموع مليئة بالأحزان والألم، وضعت رأسها على الطاولة وأخذت تبكي بكاء مريراً، لم تمضِ لحظات إلا ويد حانية تلمس كتفها وتشد عليها، التفتت فوجدت المدرسة بالقرب منها واقفة تخبرها: ابنتي هل هناك من مشكلة؟ هل أنت بخير؟ الطالبة تشعر بالوحدة فقد كانت تبحث عن السند الذي كان يحميها من كل شيء، كانت تريده موجوداً، لكنه تحت الثرى، مسحت دموعها وابتسمت وكأنها علمت أنه موجود معها، وأنه يبتسم لها ويراها، في غرفة المرشدة الطلابية، سألت المرشدة الطالبة عما أصابها، فحكت لها قصتها، وكيف أنها فقدت أباها.

تعاطفت المرشدة مع الطالبة، ولكنها سألتها: ولكنك في درس عملي والمدرسة تتحدث عن الهيكل العظمي فما علاقة ذلك بما تشعرين؟ هنا قالت الطالبة: عندما رأيت الهيكل العظمي تذكرت الموت، وتذكرت كيف أنه لا يبقى من الإنسان شيء إلا هذا الهيكل العظمي، مجرد عظام تبقى شاهدة على رحيلهم، وتلك الابتسامة في الجمجمة أمر غريب، تعجبت المرشدة: ابتسامة؟ أي ابتسامة تقصدين؟ قالت الطالبة: أنا أعلم أنك رأيت الهيكل العظمي مراراً وتكراراً، ولكن هل لاحظت أن جمجمة الإنسان دائماً مبتسمة؟ هل سبق أن رأيت جمجمة عابسة؟ فعلاً أستاذتي هي تبتسم دوماً وكأنها تقول لنا إن الابتسامة ستظل موجودة حتى بعد أن نموت ونرحل، وأنها موجودة في أساس الخلق، هذا ما ذكرني بأبي رحمه الله.

2016-07-25-1469444344-8308280-.jpg

لقد منحنا الخالق من النعم ما لا يعد ولا يحصى، الابتسامة من تلك النعم التي نعيشها في حياتنا، نتميز بها عن غيرنا من الكائنات، ولو أن لبعض الكائنات ابتسامة، قد لا نتخيل ما تعنيه الابتسامة، ولكنها تعني الكثير، فلنتخيل أن الجميع مبتسم، هل تتخيلون ذلك فعلاً؟ وهل تشعرون بمدى الراحة النفسية التي سنشعر بها وسيشعر بها الآخرون؟ كم ستكون حياتنا أجمل وأسهل وسنعيش براءتها التي فقدناها في أنفسنا، تخيلوها في كل من تقابلون، يا لها من روعة ويا له من حلم نكتفي بكونه حلماً مع أننا نستطيع أن نجعل منه واقعاً نعيشه، هي علاج لكل المشاكل مهما بلغت، ومهما كانت الظروف كما أنها علاج للأمراض، عندما نبتسم يشرق الوجه ويضيء، لو كنا مرضى سنشفى -بإذن الله- وهذه الوصفة ليست وصفتي، هي وصفة نبوية كما ورد عن رسولنا الكريم عليه أفضل صلاة وأتم تسليم "داووا مرضاكم بالصدقة" الصدقة دواء، الصدقة تساعد على الشفاء دون قيود أو حدود، الابتسامة صدقة "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة"، والصدقة كما ذكر دواء.

الابتسامة دواء ليس للأمراض فقط بل لكل مواقف الحياة، فقط نحتاج لتطبيقها لنرى، هي قوة عندما يراها الأعداء تشعرهم بضعفهم وعجزهم، هي سعادة عندما تمنح للبؤساء، صدقة ولك من الله أجرها، هي رضا عندما تبتسم لقضاء الله وقدره ولنعمه الكثيرة.. هذه هي الابتسامة التي فقدها الكثيرون منا أو تناسوها أو جعلوا منها عيباً وخطأ لا بد من اجتنابه، نمتلكها دائماً في كل وقت وكل حين، ولا تحتاج لمجهود من أجل أن نظهرها للآخرين ولأنفسنا، ولكننا لا نفعل ذلك، الأمر في غاية البساطة، ولكننا عنه غافلون.

نظرة لعالمنا ونظرة لمن هم حولنا وحتى أنفسنا لنرى كم فيها من مبتسم، وكم فيها من عابس وما أكثرهم! كأننا نصر على مخالفة كل شيء، نحن بالابتسامة أجمل، ولكننا نصر على العبوس وتكشير الوجه وقفل الحواجب، كما يقولون، بل ونرى في ذلك صورة نفتخر بتقديمها، لا أعلم هل هو عناد فقط أم أن تلك طبيعة البشر يخالفون فقط لمجرد رغبتهم في المخالفة؟ البشر يحبون كل ما هو جميل ويسعون لذلك دوماً، نجمل كل شيء حولنا حتى أنفسنا، ولكن الابتسامة منسية أو مهملة، مع أنها سر من الأسرار التي نمتلكها وسلاح من الأسلحة، فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: لماذا لا نبتسم؟ هل سيكلفنا ذلك الكثير؟ وهل من الصعب القيام بذلك؟ وما هو المجهود الذي سنقدمه مقابل ابتسامة؟ فلنجرب سوياً الآن ولنبتسم.. ما أسهل الموضوع.

البعض يرى أن الابتسامة لا تصح في كل وقت وهم بهذا الأمر مؤمنون، هؤلاء كمن يرفضون تغذية الروح، صدقة تمنحك الحسنات وتدخل البهجة في قلوب الناس نرفضها ونحدد لها المواعيد ونعقد المسائل والأمور فيها، لماذا لا نأخذها بطبيعتها وبساطتها؟ لماذا نجعل من السهل صعباً؟ ليس للابتسامة وقت أو سبب، هي في كل وقت ومع الجميع، حتى مع النفس فلنبتسم لأنفسنا، جميلة عندما نلقي التحية بابتسامة، عندما نطلب بابتسامة، عندما نشكر بابتسامة، عندما ننجز أعمالنا بابتسامة، عندما نناقش بابتسامة، فلتكن منهاج حياة نتبعه نعم فليكن منهاجنا الابتسامة، هي جميلة دائماً وليس فيها ما يعيب، العيب نحن من نصنعه، ونحن من نختلقه، إذا أردت أن تشعر بقيمتها، وكيف أنها غذاء للروح، ارفع رأسك للسماء، وتأمل، واستشعر وابتسم وستجد أن روحك تحلق عالياً أعلى مما تتخيل.

ابتسم حتى في أحلك الظروف، فالرضا بقضاء الله وقدره لا يتقنه إلا قلة، ابتسموا وتذكروا أن جمجمة الإنسان تبتسم بطبيعتها، أظهروا تلك الابتسامة قبل أن تظهر وحدها، لكم الخيار.