المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

أن تكون بدائياً

تم النشر: تم التحديث:

أثار اكتشاف قبيلة بدائية ضجة إعلامية كبرى، وأصبح مثار حديث الجميع، لعلكم سمعتم بالموضوع، بعد أن عثر العلماء على بشر يعيشون في غياهب الغابة، وجدوا أن هؤلاء لم يروا سوى أفراد قبيلتهم فقط، ليس لهم بالعالم الخارجي أي علاقة، ولا يعرفون من هذه الحياة إلا أنفسهم، كان اكتشافهم عن طريق الصدفة البحتة، مَن هم؟ ومن أين أتوا؟ لا أحد يعلم.

عكف العلماء على دراسة هؤلاء، والبحث في كل ما يتعلق بهم من ثقافة وعادات وطقوس، اللغة التي يستخدمونها، أسلوب حياتهم، وكيفية تعاملهم مع بعضهم البعض، كل شيء عنهم كان جديراً بالدراسة، فقد كان أمر اكتشافهم حدثاً فريداً، وسنعرف سبب ذلك بعد قليل.

أثناء الدراسة وجد العلماء أن هؤلاء يستخدمون لغة تعتمد على الأصوات دون حروف واضحة، وهذه اللغة قريبة من أصوات القردة، لغة اختلطت مع حركات خاصة بالجسم وبالوجه لتوصل رسائل معينة لأفراد القبيلة.

2016-07-25-1469461024-9050690-.jpg

قرر العلماء بكافة تخصصاتهم الاستمرار في دراسة هؤلاء، ومحاولة التواصل معهم بكل الطرق والأشكال، استغرق الأمر طويلاً، ولكن النتيجة كانت مذهلة، فقد تمكن بعض العلماء من تعلم لغتهم، والتواصل معهم بطريقتهم الخاصة، مع إضافة بعض الأشياء الجديدة التي تخدم العلماء، وتجعل أمر تواصلهم مع هؤلاء أقوى.

بالطبع كان العلماء محمَّلين بكل الإمكانات والأدوات والمعدات التي تساعدهم في توثيق وتسجيل كل ما يحدث، كان ذلك مدعاة لأن يتعجب هؤلاء مما يحمله العلماء، كانوا يحاولون اكتشاف كل شيء عن طريق اللمس والشم والتذوق والتجربة والتقليد، فقد كانت حياتهم تعتمد على ذلك لفهم الأمور، عجزوا عن فهم أي شيء من تلك الأشياء، ولكن العلماء كانوا يشرحون كل شيء، ويوضحون كل شيء، بأساليب مختلفة، فتارة يستخدمون لغة هؤلاء، ويشرحون عملياً تارة أخرى، كل شيء كان محل اهتمام البدائيين؛ الملابس، الأكل، الشكل، الأدوات، الحركات، كل شيء كان غريباً عليهم، بالضبط كما كان غريباً على العلماء هؤلاء.

كان الشغل الشاغل للعلماء تعليم هؤلاء بعض الأمور التي يرونها مهمة، وقد تغير لهم حياتهم كما يرون للأفضل، استمر الحال، العلماء يحاولون تغيير المفاهيم، والبدائيون يقلدون ذلك التقليد الذي نسميه التقليد الأعمى، فقط يقلدون ما يطلب منهم، ويفعلون ما يحاول العلماء زرعه في عقولهم دون وعي أو إدراك، وهنا تبدأ القصة.

هل تعلمون أن هؤلاء البدائيين هم نحن، أنا وأنتم، ولنكن أكثر تحديداً سنقول البعض منا حتى نخرج من دائرة التعميم، نعم بعضنا هم البدائيون، والبعض من حولنا يحاول تعبئة عقولنا وأرواحنا بما يريدون هم لا ما نحتاج إليه، يعملون لمصلحتهم لا لمصلحتنا؛ لتنفيذ خططهم ومشاريعهم لا خططنا، ولعلكم تتساءلون: كيف ذلك؟ هذا أمر مستحيل، قد يكون الأمر مستحيلاً.

نعم، فنحن متقدمون ومبدعون ولدينا من الإمكانات ما لدينا، وما أذكره قد يكون مبالغاً فيه ورؤية غير سليمة للأمور، ولكن لننظر إلى حياتنا بكل مقوماتها الأساسية: "الدين أو الروحانيات، العقل، الصحة، العلاقات الاجتماعية، العمل أو المال"، ولنفكر في تلك الأشياء، وفي كل ما يجري من حولنا.

بعض رجال الدين وأعدائه يغسلون عقول الشباب، بعض منصات التواصل الاجتماعي -أقصد التفاصل- تزرع أفكاراً وأفكاراً حول الدين، يحرفون ما يمكن تحريفه، يدلسون ما يمكن أن يدلس، يشككون في هذا، ويشككون في ذاك، يقبحون الصحيح، ويجملون القبيح، يهدمون القيم والإيجابيات ويبنون الباطل والسلبيات، يخلطون الباطل بالحق، والطالح بالصالح.

فكروا في كل ما هو حولكم وستجدون الكثير، فكم هي الأحزاب، وكم هي المعتقدات والتوجهات والمسميات والطوائف والفصائل، الكل يتحدث باسم الدين، ويبدأ بـ"بسم الله رب العالمين"، ولو كان من "المغضوب عليهم والضالين".

العقل يتم شحنه بجرعات من البلادة، قد يكون ذلك غير واضح للكثيرين منا، ولكن عندما يستخفون بعقولنا في كل ما يقدم إلينا من أخبار وأفلام وتعليم ومعلومات، ببساطة يفعلون ذلك في كل شيء، ولو دققنا في الأمور سنجد أن معظمنا قد غاب عقله، وأصبح مبرمجاً لما يريدونه.

نظرة واحدة حولنا وسترون أن الجميع قد انكفأ على الأجهزة أيما انكفاء، وكأنها معبود نعبده صباح مساء، هي أهم شيء في حياتنا، وأهم من الصحة والغذاء، كم منا فكر في ذلك أو انتبه؟ ألا تعتقدون معي أننا أصبحنا مبرمجين؟ أو ممنهجين؟ أو أننا بدلاً من أن نكون كائناً أصلياً أصبحنا كائناً هجيناً؟

ألا تعتقدون أننا أصبحنا كما يريدونها قرية صغيرة يحكمونها كيفما أرادوا؟ ألم نخرب صحتنا أو خربوها لنا بما يقدمون لنا من كل أنواع السموم؟ أليس معظم ما حولنا مسرطن حتى الأفكار؟ أليس كل ما حولنا يقتلنا ببطء؟ ألم نلاحظ أن الأمراض أصبحت تأتينا بالتدريج وبالترتيب: إنفلونزا الخنازير، ثم الطيور، كرونا، وإيبولا، سارس، والضنك... والحكاية مستمرة بلا انقطاع، وصحتنا دوماً في تدهور وضياع، فلنفكر سوياً، أليس كل ما حولنا ملوثاً؟ ضوضاء، غازات وأبخرة ودخان، أمراض، وباء، نفايات، سوء أخلاق ومعاملات.

خلقنا الله كائناً اجتماعياً لا يستغني عن الآخرين، نعم هكذا خُلقنا وهكذا أوصانا الدين، ولكن أين نحن من ذلك؟ وأين نحن من التواصل؟ كل منا في فلك يسبحون، لا ندري عن بعضنا البعض إلا في المناسبات، سواء أكانت أعراساً أو مراسم دفن للأموات، لا تواصل عائلي إلا شكلياً، وحتى هذه تكاد تنعدم فقد اكتفى معظمنا بالرسائل والمقاطع المصورة وبهذا نكون قد قمنا بواجبنا.

كم منا يتواصل بشكل جيد مع دائرة العلاقات القريبة كالزوجة والأبناء والأخوات أو الأب والأم أو العم والخال؟ يكاد الأمر أن يكون قليلا أو لعله محال.

في العمل حدِّث ولا حرج، معظمنا يطمع في أن يكون وأن يكون، وإن كان لا يستحق من ذلك شيئاً، البعض يرى أنه سيد هذا الكون، وأن من واجب الجميع تقديم كل الفرص له على طبق من فضة، معظمنا لا يحب أن يعمل، وإن عملنا لا نحب أن نتعب، وإن تعبنا لا نحب أن ننتج، وإن أنتجنا لا نحب أن نبتكر، وإن ابتكرنا تعالينا، والبعض لا يريد أن يكمل، وإن أكمل سيعيش مضروراً وسيقضى حياته شكاءً وبكاءً.

هكذا أصبح حالنا، تغيَّرنا في كل شيء، تناسينا تاريخنا وكل ماضينا، نسينا القيم والأخلاق التي أصبحت من النوادر ووجودها مدعاة للسخرية والتهكم، كل شيء في حياتنا مباح، فنحن نعيش في غابة لا نراعي في تعاملنا ديناً ولا ملة، ولا نبحث عن مسببات ما نقوم به، ولا عن العلة، كل شيء يمكن أن يكون، وأي تصرف سيكون مقبولاً، ولو كان نوعاً من المجون، أو ضرباً من الجنون.

أشياء كثيرة تغيرت حتى نحن، لم يبقَ لدى معظمنا إلا أصوات القردة التي نستخدمها فيما بيننا، رجاء لا تسخروا من الأمر، فمعظمنا يفعل ذلك، وأنا معكم، قد يسألنا البعض عن شيء، فنقول له: "أممممممم.. أها.. ههههههه.. أووووووووو.. واووووووو.. ياييييي يبييي.. أووووووب.. خخخخخخخ.. هعهعههع.. يووووووه"، أصوات كثيرة لا نحتاج إلا أن نفكر فيها، وسنعرف إلى أي درجة وصلنا، وما زال الطريق أمامنا طويلاً، لست أدري هل سنبحث عن بيئة أفضل أم سنكمل في الغابة؟ لا أدري، وسأترك لكم حرية الإجابة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.