المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

هل أنتم أحياء؟

تم النشر: تم التحديث:

عام جديد قد بدأ، منا من انتهى، ومنا من لا يزال على قيد الحياة، وقد يتساءل البعض منكم: كيف تقول إن منا من انتهى، ومنا من لا يزال على قيد الحياة مع أننا جميعاً أحياء ونقرأ ما كتبت؟ هل أنت أحمق؟ أم أنك قد فقدت الشعرة التي بين العقل والجنون؟

قد أكون كذلك، وكلنا قد يكون، سؤالكم منطقي؛ لأنكم ترون أننا كلنا أحياء، ولكن دعوني أجيب عن سؤالكم بسؤال: هل فعلاً نحن أحياء؟ فليسأل كل منكم نفسه هذا السؤال، فإن كانت الإجابة: نعم أنا حي! حسناً، كيف ستثبت لنفسك ذلك؟ وكيف وصلت لدرجة أنك متأكد من كونك حياً؟ ما هي الحياة بالنسبة لك؟ هل الحياة تعني أنك تتنفس؟ هل هي أن تأكل وتشرب وتتحرك وتقف وتنام وتصحو؟ هل هي أن تتعامل مع الآخرين؟ هل تستطيع تحديد معنى الحياة؟ فكّر بالأمر وانظر إلى كل من هم حولك، وأنا على يقين بأنك ستجد بينهم من مات وهو على قيد الحياة، ليست فلسفة، ولكنها حقيقة نعيشها، فالناس نوعان: أناس لا يموتون، وأناس لم يولدوا بعد، هذه الحكمة ستجعلك تعيد التفكير في السؤال السابق (هل أنت حي؟)، وبالطبع ستحك رأسك مرة أو اثنتين على أقل تقدير، أو أنك ستقول بينك وبين نفسك: إحنا مش ناقصنا فلسفة ووجع دماغ (تأكد أنك لو فعلت ذلك أو قلت شيئاً من هذا القبيل فأنت بالتأكيد تتهرب من الإجابة).

وبمناسبة الشعرة التي بين العقل والجنون سأقص عليكم قصتي مع طبيب نفسي مرموق وحوار بنّاء أجريته معه داخل إحدى المصحات النفسية الفخمة، كنت متمدداً على الشيزلونغ، أو ذلك الكرسي المريح الذي تتمدد فيه، والطبيب يستمع إليك بكل حرص واهتمام (قلة من يستمعون للأسف)، كنت أتحدث مع الطبيب حول إمكاناتي في علم من العلوم المهمة التي تتحكم فينا بشكل كبير، موضوع أعتبر نفسي فيه خبيراً، أتحدث والطبيب مبتسم يستمع لي بكل اهتمام؛ لأنني من الأشخاص المعروفين في هذا المجال، ولي الكثير من الكتب والمؤلفات والأبحاث، كنت أتحدث معه عن الأبراج، نعم الأبراج والكواكب، وتأثير تلك الكواكب علينا، ولأن الطبيب لم يكن يعرف عن الأمر شيئاً كثيراً، رأيت أن أبدأ معه بالتدريج، كما سأفعل الآن.
2016-07-25-1469445093-7315472-.jpg

كنت أنظر مباشرة في عين الطبيب، وأنا أوجه له السؤال المعتاد من أمثالنا: أأنت من مواليد برج كذا؟ ارتسمت على وجه الطبيب علامات الدهشة والاستغراب! وقال لي وهو متلعثم: ماذا؟ نعم؟ كيف عرفت ذلك؟ هنا أطلقت لنفسي العنان، وبدأت في الشرح، كل شخص فينا، وأنت أيضاً أيها الطبيب، قد وُلد في يوم محدد بتاريخ محدد، وهذا التاريخ يتبع برجاً من الأبراج المعروفة (الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد...)، وكل منا له دلالات على شخصيته بناء على برجه.

هذه الأبراج تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: مائية، وهوائية، ونارية، نظر الطبيب وقال لي: أكمل لو سمحت، قالها وهو ينظر إليَّ بتعجب واستغراب، حسناً أيها الطبيب نحن كعلماء فلكيين لدينا خرائط للكواكب والأبراج، وكل برج من الأبراج له ميزاته وعيوبه، وكواكب تؤثر عليه، وهناك أناس كثر يؤمنون بذلك، هنا استوقفني الطبيب قائلاً: هل فعلاً هناك من يؤمن بذلك؟ وهل يصل الأمر إلى درجة الإيمان بالموضوع؟ نظرت إليه وأنا أبتسم ابتسامة صفراء مجيباً: نعم أيها الطبيب بالتأكيد، فهذا العلم منتشر بشكل كبير، حتى إن بعض الأشخاص لا يستطيعون اتخاذ أي قرار في حياتهم إلا بعد معرفة ما تخبرهم به الأبراج.

قلت في قرارة نفسي: كم هو أحمق هذا الطبيب هو وأمثاله لا يعرفون شيئاً عن الأبراج، مع أنها تؤثر فينا وفي حياتنا، وفي كل شيء يخصنا، ومع ذلك لا يتعلمون ولا يتعظون، كم هم مساكين!

أكملت حديثي: أيها الطبيب، هناك علماء كثر يتحدثون عن ذلك، وتكتب فيه الصحافة بشكل يومي ومستمر، وهناك مئات من الكتب التي تشرح الموضوع وتوضحه، وتبين خباياه وتفاصيله، أشار لي الطبيب بإيماءة من رأسه بأن أكمل حديثي، فقلت له: مع الأبراج يوجد ما يعرف بالكواكب، وهذه يعرفها القاصي والداني، سأخبرك عنها؛ لأنني متأكد أنك لا تعرفها، وهذا حال الكثيرين، واسمح لي أن أذكرها لك على عجالة، فالموضوع جد كبير، ويحتاج لشرح مطول، ولا مجال للإطالة، كوكب المريخ وبلوتو يؤثران على الحمل، والزهرة يؤثر على الثور، وعطارد يؤثر على الجوزاء والعذراء، والقمر يؤثر على السرطان وهكذا.

نظرت إلى الطبيب، وأنا أسرد له تلك المعلومات، فوجدته فاتحاً فمه متعجباً، وبين الفينة والأخرى يحك رأسه، ويحاول ترديد ما أقول من معلومات؛ لكي يستوعب، طلب مني التوقف قليلاً، وباغتني بسؤال غايته التشكيك في كلامي، وفي صحة ما أقول، قال لي: هل فعلاً ذلك يحدث والكواكب تؤثر علينا؟ أجبته: نعم بالتأكيد، ألا تؤمن بتأثير القمر على البحر والمد والجزر؟ هز رأسه وقال: أخبرني بالمزيد فأنا في غاية الشوق لسماع هذا الموضوع، لقد درسنا سنوات وسنوات في كليات الطب وفي المشافي النفسية، وبحثنا في الكثير من الكتب التي تتحدث عن النفسيات، ولم أجد لما تقول إشارة واحدة في كل ذلك، مع أنك تخبرني أنه علم، وأن له علماءه والباحثين فيه!! لست أدري لماذا لم يدخل في مراجع الطب النفسي؟ قالها الطبيب وهو يقلب كفيه ويضرب أخماساً في أسداس، أجبته وأنا أشير إليه براحة يدي طالباً منه الهدوء والانتظار وعدم التعجل في اتخاذ القرار، قلت له: اسمع أيها الطبيب، الكواكب تتحرك، تتباعد أحياناً وتتبعثر، تجتمع وقد تقترب من بعضها البعض، كل كوكب من هذه الكواكب لديه القدرة على الدخول إلى مدارات ومسارات الكواكب الأخرى والأبراج، على سبيل المثال زحل كوكب أمور المال، ولكن لديه طاقة سلبية، خصوصاً لو اقترب من الزهرة، عطارد الكوكب الذي يؤثر على الفكر، وهو يؤثر على الدلو والأسد والثور في النواحي المالية، ويؤثر على برج الميزان والحمل من الناحية الصحية والعملية، وهكذا هي الحال في كل الكواكب.

قال لي الدكتور النفسي: لنقف قليلاً هنا؛ لأنني أحتاج لبعض من الوقت؛ لكي أتفهم الوضع وأستوعب كل ما تقوله لي، هل تريد شيئاً لتشربه؟ فقلت له: نعم بالتأكيد، أريد بعضاً من الماء وكوباً من الشاي، فقد جف ريقي من الشرح، ضحك الطبيب وقال لي: أبشر فلك كل ما تريد، دقائق مضت غادر فيها الطبيب مكتبه، وأنا أنتظر في تلك العيادة الفارهة، وأتطلع إلى كل ركن فيها، وأؤكد لنفسي أن هذا الدكتور يقع تحت تأثير كوكب المريخ الذي يؤثر على الناحية الإبداعية والعطاء والتميز لديه، يا له من طبيب متميز، لديه القدرة على الاستماع بشكل جيد ويحب المعرفة!

"أعتذر منك على تأخري"، قالها الطبيب وهو يقدم لي كوب الشاي مع زجاجة الماء، نظرت إليه شاكراً، وقلت له: ما لمسته في عيادتك أيها الطبيب ينم عن أن لديك قدرات إبداعية، وهذا مرتبط بتأثير كوكب المريخ مع برجك الثور، وسيكون لك في هذه السنة إنجازات متميزة وإبداعية، هذا أمر مؤكد، قال لي: أشكرك، لقد أخجلتني، هذا كرم ولطف منك، جلست لأشرب الشاي، فطلب مني الدكتور أن أكمل حديثي عن الكواكب والأبراج، وطلب مني أن أخبره بشكل موجز عما تقوله الأبراج والكواكب في هذه السنة، بما أنها سنة جديدة، فقلت له: حسناً أيها الطبيب، سيكون لهذه السنة شأن كبير، فهي سنة خير بعد سنوات عجاف أثرت في كل العالم، سيكون فيها كثير من الأمور الإيجابية التي تسعد الناس في العالم وتفرحهم وتريحهم من معاناتهم السابقة، سنة سيحصل فيها نوع من التجديد لأنفسنا وسنجد فيها ذاتنا، سنة سيكون فيها الخير وفيراً، فما ضاقت إلا وفرجت، كما يقولون في الأمثال، وسيكون للأبراج فيها تأثيرات كبيرة، سنة قد تبدو أنها لا تبشر بالخير، ولكن الأبراج والكواكب تقول غير ذلك، ولنرَ أيها الطبيب الفاضل كيف ذلك؟

أشار لي الطبيب بالحديث والمواصلة وهو متكئ على كرسيه خلف مكتبه، بدأت في الحديث عن رؤيتي، وماذا سيحدث هذه السنة قائلاً: ستكون هناك 3 حروب كبيرة، اثنتان منها حروب دينية وطائفية، هذه كارثة في ظاهرها، ولكنها في نهايتها خير واستقرار وأمن وأمان، سيموت في هذه السنة أربعة من عمالقة الفن العربي، 3 من الممثلين وواحد من المتخصصين في الغناء والطرب، كما سيموت 4 رؤساء دول، ستسقط بعض الدول، ولكن العاصفة يليها الهدوء والاستقرار، ستكون هناك تغيرات في العالم فستظهر اختراعات جديدة تطيل في عمر الإنسان، وتمنع عنه ما يعرف بألزهايمر أو مرض النسيان، سيضرب زلزال ضخم بعض المناطق، وستكون هناك مجاعة وسيكون هناك... الطبيب يرن الجرس الخاص بالتمرجي، ويطلب مني أن أكمل، يفتح الباب ويدخل ذلك التمرجي العملاق الذي يذكرني بالرجل الأخضر، طلب منه الطبيب استدعاء شخص اسمه أنور، رد التمرجي: حاضر يا دكتور، وبينما أنا أتحدث عن أحداث هذا العام، وما سيحصل فيها إذا بالتمرجي يدخل مع أنور، ويقفان عند مكتب الطبيب الذي أشار إليهما بأخذي إلى جناح الحالات الصعبة في المصحة، وإعطائي حقنة من المورفين والديازيبام والسيبرالكس ومراقبتي في كل حركاتي، نظرت إلى الطبيب وأنا أضحك وسألته: هل تمزح معي؟ بالتأكيد أنت تمزح! نعم تمزح معي؛ لأنني لم أخبرك عن برجك بالتفصيل، قال لي: لا تخَف ستكون بمأمن هنا، وسنهتم بك جيداً، وستعود لحالتك الطبيعية في وقت قريب جداً، أشار للتمرجي وأنور بأخذي فأطبقا على يديّ وكتفي وأنا أصرخ بعلو صوتي: أنا لست مجنوناً، أنا لست مجنوناً أنتم المجانين، القمر يؤثر على عقولكم، أنا لست مجنوناً، فالزهرة والمشتري كوكبان يجب أن ننتبه لهما، أنا لست مجنوناً، أنا عالم فلكي متخصص في الأبراج والكواكب، يختفي الصراخ شيئاً فشيئاً حتى ينتهي نهائياً، والدكتور يمسك بقلمه ويكتب التقرير الخاص بي ذاكراً فيه أنني مريض نفسي ووضعي صعب، وهو يتمتم: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنتم هل تعتقدون فعلاً أنني مريض، وأن حالتي النفسية بحاجة للمتابعة؟ هل فعلاً تعتقدون ذلك؟ أجيبوني!! تكلموا.. لماذا لا تردون على كلامي؟ لا تتحدثوا مع أنفسكم بل تحدثوا إليّ!! أجيبوا عن سؤالي، أم أنه ليس على المجنون حرج.

هذه ببساطة المهزلة التي نعيشها ويصدقها السذج منا، أبراج وكواكب متبعثرة منذ سنوات تؤثر على حياتنا وبينها وبينك ارتباط وثيق، من لا يصدق عليه أن يصدق؛ لأننا نعيش في زمن السخافات، زمن أصبح فيه الدجل حقيقة نتبعها والجهل راية نسير خلفها، كلام عام يسري على الجميع وينطبق على أي كان، فكلنا ذلك الإنسان الذي يبحث عن العاطفة والمادة والراحة والصحة والسعادة، لست أدري كيف يتنبأ هؤلاء بمستقبل لا يعلمه إلا الله، والأدهى والأمر أن هناك من يصدقهم ويقتنع بكلامهم لدرجة أن بعضهم لا يكاد يخطو خطوة إلا بعد معرفة طالع برجه؟ كيف نعرف أن شخصاً سيموت والله هو
من يملك علم ذلك؟ تساؤلات كثيرة تحتاج لإجابات.

سيقول البعض منكم: ولكن كل ما ذكر حقيقة أعيشها وقد جربت كل ما قيل لي ولم أجده مختلفاً عن واقعي، إن الأبراج واقع وحقيقة، نعم معك كل الحق، أنت حر، أن تؤمن، وأن يكون لديك قناعات حول موضوع معين، ولكن فقط أريد أن أسأل كل من يؤمن بهذه الأمور سؤالاً واحداً فقط: أين الأبراج والكواكب مما يحدث في عالمنا؟ أناس يقتلون كل يوم، يشردون، يعذبون، مجاعات، فقر، أمراض، تخلف، معتقدات خاطئة، سلبيات، تلوث، ضوضاء، إهمال، لماذا لم يمنع وقوعها المتنبئون؟ برجك ينبئ عن علاقة عاطفية وأنت تموت من الجوع، أي مهزلة تلك؟ كوكب زحل يساعده المريخ سيجلب لك مكاسب مادية، أي مكاسب مادية تلك، ونحن نفقد كل شيء في سوريا وفلسطين والعراق وغيرها، وأبناؤنا يقتلون؟ هل ينطبق ما يقال في الأبراج على المعدمين؟ أم أنه خاص بالطبقة الوسطى التي تلهث وراء سراب، فالفقير والمعدم يبحث عن احتياجاته المهمة والضرورية فقط، بينما من يعيشون في رغد من العيش يتمسكون بهذه الترهات ويعتقدون فيها وكأنهم نسوا أن من بيده ملكوت كل شيء هو الله، وليس البرج أو الكوكب.

هل من يتنبأ بما سيحدث يستطيع التنبؤ لنفسه؟ أم أن ذلك فقط للعامة؟ حمق ما بعده حمق، أناس تجري وراء سراب وتحاول اقتناص الفرص التي تدعيها الأبراج، أما ما عند الله فهذا لا يهمنا في شيء، نسينا أو تناسينا الدعاء والرزق المقسوم، والقضاء والقدر، وأن كل حياتنا قد سجلت بعلمه فلا عليم إلا هو.

ولمن يعتقد في الأبراج ويؤمن بها إليك هذا الاكتشاف الخطير، فقد ظهر برج رقم 13 ويدعى حامل الثعبان، وعليه ستتغير تواريخ بعض الأبراج، وهذا يعني أن ما مضى كان كلاماً في الهواء، وللمهتمين أيضاً هناك الأبراج الصينية، وهي عبارة عن حيوانات، منها التنين والثعبان والفأر والأرنب والحصان والديك والعنزة، المهم أبراج، وإذا لم تعجبك فبرج خليفة وبرج المملكة وبرج الفيصلية وبرج القاهرة وبرج إيفل وبرج ساعة مكة، المهم أبراج والسلام.

أعتقد أن أبراج عقولنا هي التي تحتاج للضبط، تذكرت تلك العبارات التي كنت أسمعها في الأفلام العربية القديمة التي تقول: "أنا البرج اللي باقي في نافوخي حيطير"، لم أعلم معنى ذلك من قبل، لكنني الآن عرفت أن في المخ أبراجاً، إما أن نبنيها بطريقة صحيحة لكي نعيش بشكل أفضل، وإما أن تكون أبراجاً لا أساس لها لا تلبث، وأن تزول وتزول معها حياتنا التي أصبحنا نعيشها مجرد حياة، وأعود لأسأل كل واحد فيكم: ما هو برجك؟ وما هو تأثير الكواكب عليه؟ وعند الإجابة عن هذا السؤال أتمنى أن يجيبني الجميع عن السؤال المطروح في أول المقالة: هل أنتم أحياء؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.